submit

rss

ما من مولود إلا يولد على الفطرة

بسم الله الرحمن الرحيم
ما من مولود إلا يولد على الفطرة

الشيخ: عبد الكريم الخضير

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
"وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ما من مولود))" مولود نكرة في سياق النفي فهي للعموم، ومن هذه أيضاً للتأكيد، تأكيد العموم ((ما من مولود)) يعني لا يمكن أن يولد مولد يخرج عن ما ذكر ((إلا يولد على الفطرة)) وما في مولود يولد يهودي أو يولد نصراني إنما يولد على الفطرة، على الدين الصحيح ((فأبواه)) تأتي المؤثرات الخارجية، الأصل أنه على الدين الصحيح، على الميثاق الذي أُخذ عليه ((فأبواه)) لا شك أن للأبوين أثراً كبيراً في حياة الابن، فإذا كانا يهوديين سعيا في تهويده، وإذا كانا نصرانيين أثرا عليه فجعلاه نصرانياً، وإذا كانا مجوسيين فالأمر كذلك، فالبيئة لها أثرها على الشخص، وللأبوين من التأثير على الولد الأثر البالغ، فهو ينشأ عن تربيتهما، ويعيش في أحضانهما، ويتأثر بأقوالهما وأفعالهما، ولهما عليه من اليد والمنة ما يفرض هذا الأثر أحياناً، وللأب من القوة والسلطة على ابنه ما يجعله يؤثر عليه، فليحرص الآباء على أن يكون لهم أثر حسن في تربية أولادهم، فالذي يتولى تربيته أبوه وينشئه على الدين وعلى الخير والفضل، وكذلك الأم لا شك أنه أولاً: هذا جهاد في سبيل الله، تنشئة جيل صالح ينفع نفسه وينفع أمته ودينه هذا جهاد، لكن الملاحظ مع الأسف الشديد أن أكثر الآباء مشغول عن تربية أولاده، فإذا لم يتول الأب التربية تولاه الناس، فإن وفق لمعلم مشفق ناصح يأخذ بيده صار ذلك سبباً في هدايته، وإلا تلقفه الأشرار وحرفوه عن سواء السبيل، مع الأسف أن الأمهات وعملهن الأصلي التربية، انشغلن عن أولادهن بأعمالهن، أو بلا شيء أحياناً سهر وقيل وقال مع الأقارب والجيران في الليل، ونوم في النهار، ويُترك الأولاد، تترك تربيتهم للعاملات، وقد جاء هؤلاء العاملات من بلدان شتى، ومع الأسف أنه يوجد في العاملات من غير المسلمين، ووجد من أبناء المسلمين من يقسم بالمسيح في بيوت المسلمين، ووجد من يشرك، والأصل فيه أنه على الفطرة، ومن أبوين مسلمين، وقد يكون من أولاد بعض من يتنسب إلى العلم، والأم قد تكون صالحة وداعية أحياناً تنتقل من مكان إلى مكان، والأب يعلم الناس الخير ولا يفرغ لأولاده أن يوجههم، ويسدي لهم النصيحة، لا شك أن هذا خلل في التصور، يعني يعنى بأولاد الناس، ويقضي وقته كله مع الناس، في وظيفته، في عمله، أحياناً في دعوته، وأولاده في أمس الحاجة إليه فلا بد من التوازن، يصرف لأولاده ما يكفيهم لينشئوا على الدين والخير والفضل، ويصرف للناس ما يستطيعه، فالتربية شأنها عظيم، ولذا يقول -جل وعلا- في الدعاء المعروف: {وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا} إيش؟ {كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}
[(24) سورة الإسراء] فالآية تدل على أن الذي لا يربي ولده التربية الصحيحة لا ينال مثل هذه الدعوة، ولا يستحق مثل هذه الدعوة، فيكون الحرص على النفس وعلى الولد وعلى الأقربين أشد من الحرص على غيرهم، نعم قد يكون القبول بين الأولاد والأسرة من هذا العالم ومن طالب العلم أقل من الناس، فيرى الأثر والنتيجة في أولاد الناس ولا يراه في ولده، فيمل ويتركهم، فعلى الأب أن يعنى بأولاده ولو.....، ولو وجد مثل هذا، يحرص ويجاهد، ولو بأن يبذل السبب في أن يصحبهم الصحبة الطيبة؛ لأن أثر الوالد أحياناً قد يكون أقل، وكما يقال: أزهد الناس بالعالم أهله وجيرانه؛ لأنهم يرونه على أوضاع كثيرة، وفي حالات مختلفة فتخف قيمته عندهم، ويخف وزنه؛ لأنه وجد من النساء زوجها عالم كبير معدود بعلماء الأمة ثم إذا قال شيئاً قالت: لا، الشيخ الفلاني يقول كذا، وإن كان من أصغر طلابه، وجد هذا؛ لأنها تراه على أوضاع مختلفة، وأحياناً في ابتذال، وأحياناً في وضع غير مناسب، وأحياناً..، هذه هي عادة الناس إذ خلوا، والعالم ابن مجتمعه، ما هو منزل من السماء له مواصفات خاصة، لا، يزاول ما يزاوله الناس، ويحتاج ما يحتاجه الناس، لكن على كل حال على الأب أن يبذل النصيحة، وأن لا يموت غاشاً لرعيته، معللاً ذلك بأنه يزاول أعمالاً صالحة وفيها خير ونفع للناس، نعم النفع مطلوب، والدعوة مطلوبة، والتعليم مطلوب، والقضاء مطلوب، والإفتاء مطلوب، لكن كما جاء في الأمر الإلهي: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [(214) سورة الشعراء] النبي -عليه الصلاة والسلام- أول ما بدأ بأقاربه: ((يا فاطمة بنت محمد)) ((يا صفية عمة رسول الله)) ((يا عباس عم رسول الله)) المهم أنه يبدأ بالأقربين، هم أولى الناس بعنايتك ورعايتك، لكن إذا وجدت وأعيتك المسالك، وهذا حاصل في بعض البيوت أن الأب لا أثر له، ولا ينظر إليه، ولا يلتفت إليه، عليه أن يستمر بالرفق واللين، ويبذل أسباب أخرى تكون سبباً في هدايته، ويزاول ما يزاوله من النفع العام.

المصدر: شرح: المحرر - كتاب الجامع (5)