submit

rss

إياكم والظن

بسم الله الرحمن الرحيم
إياكم والظن

الشيخ: عبد الكريم الخضير

((إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث)) يعني: هل الظن مذموم مطلقاً أو المذموم بعض الظن؟ ولذا جاء قوله: {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [(12) سورة الحجرات] دل على أن بعضه ليس بإثم، وهل المقصود في الحديث الظن في الإخبار العادية التي لا أثر لها أو الظن في الأخبار التي ترتب عليها الآثار السيئة؟
يعني الاصطلاح الذي ذكرناه ينطبق على كل الظنون، سواء ترتب عليها أثر، أو لم يترتب عليها أثر، لكن هل المراد به في الحديث: ((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)) يعني: لو أخبرك زيد من الناس وهو ثقة عندك، لكن لا تجزم بخبره، احتمال راجح أن يقول: قدم زيد، هذا ظن، لكن هل هذا أكذب الحديث؟ جاء زيد وإلا ما جاء الأمر سهل يعني، لكن الإشكال في الظن الذي هو الريبة والتهمة، يعني يكثر الظن والشك في الناس، والزوجة تشك بزوجها، والزوج يتهم زوجته الذي يترتب عليه الأثر السيئ، وهذا هو المراد في الحديث، يعني بعض الناس يصل به الأمر إلى حد أن يضع أجهزة تنصت على زوجته، وأجهزة تسجيل لا يثق بها، والعكس قد تضع الزوجة هذا الأمر شكاً بزوجها، وظناً له، واتهاماً له، مثل هذا على المسلم أن يجتنبه، وجاء التحذير منه، كيف يهنأ بعيش وهذه حاله؟ يعني ظن واتهم وشك وارتاب من أقرب الناس إليه، الذي جعلت بينه وبينها المودة والرحمة فكيف بغيره؟! وبعض الناس يساوره الشك باستمرار من كثير من الناس، وهذا طبع وخلق ذميم، وقد يوجد هذا في كثير من الناس وهو في بعض العميان أظهر؛ لأنه قد يخفى عليهم بعض الأمور، وصار عنده ضيف، حرص على تقفيل الباب، اترك الباب، رد الباب، اجلس هنا، لا تصير قدام الباب، نعم، يوجد هذا يعني بغض النظر عن كون الوصف هذا مدح وإلا ذم، يعني العميان سادوا الدنيا بلا شك، لكن مع ذلك قد يوجد هذا فيهم؛ لأنهم ما عندهم حاسة البصر فيخشى أن المرأة تمر من يمين وإلا يسار، وطالعة وإلا ذاهبة فيقع بصره عليها، أو يخشى أن يحصل بينه وبينها اتفاق، قد يوجد الشيطان يلبس على الناس، ووجد قضايا من هذا النوع، لكن الذي لا يستند إلى أمارة ولا علامة ولا قرينة تدل عليه يدخل في الحديث، لكن إذا جرب مثلاً، مرة اتصل أو دخل البيت خفية مع أنه لا يجوز أن يدخل خفية، يبغتها إذا كان مسافر لا بد أن يخبرها، ولا يحضر ليلاً، التجسس والتصنت كل هذا مردود بهذا الحديث، فإذا وجد قرينة، أو صار له سوابق مثلاً دخل مرة وإذا بها تكلم مثلاً بكلام مريب، فمثل هذا يعظها ويهجرها وينصحها، فإن تكرر منها شدد عليها في ذلك، وإن وقع منها ما هو أعظم من ذلك فارقها؛ لأنها لا تليق به، المقصود أن مثل هذا الأمر في قبل وجود القرائن والدلائل ينبغي أن تكون القلوب طيبة وسليمة إذا وجدت القرائن التي تدل على وجود شيء من هذا، هذا لا شك أنه منكد للحياة، ولذا لا يجوز ابتداؤه.
((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)) والمقصود به الريبة والاتهام والشك في الناس على وجه العموم، بعض الناس عملاً بالحديث الضعيف: ((احترسوا من الناس بسوء الظن)) والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)) يعني ولو كل إنسان احترس من جميع الناس بسوء الظن هل تطيب الحياة؟ ما تطيب الحياة، الأصل أن قلب المسلم سليم، سلامة الصدر من أوصاف الأخيار، ليس معنى هذا الغباء والغفلة بحيث تقع المشاكل والمصائب والجرائم في بيته وهو لا يشعر، لا، أو يترك الحبل على الغارب، ويثق بكل أحد، ويثق بالزوجة والبنات تذهب مع كل أحد ولكل أحد من غير رقابة ومن..، لا، لا هذا ولا هذا، هو راعٍ ومسئول عن رعيته، لكن مع ذلك لا يصل الحد إلى الاتهام الذي لم تقم وتدل عليه القرائن.
((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)) ولعل المراد به حديث النفس في بداية الأمر، ثم إذا تحدث به إلى غيره، وشكا الأمر إلى غيره جاء حديث اللسان: ((ولا تحسسوا، ولا تجسسوا)) ولا تحسسوا يعني: لا تفتشوا وتدققوا في بواطن الأمور وخفاياها بحيث يترصد الإنسان ويترقب الزلات، ويتحسس حاجات البيت ليرتب عليها النتائج السيئة، لماذا انتهى هذا؟ لماذا فرغ هذا؟ يومياً يدخل المستودع ويتفقد، ما صارت حياة هذه، لماذا نقص هذا؟ لماذا زاد هذا؟ من أين جاء هذا؟ اترك، إلا إذا خشيت من ريبة فالأمر أشد، لكن مجرد التحسس وتطلب الأخبار والأمور والتفتيش هذا إذا كان في الأمور المباحات، يعني إنسان لو نظرنا إلى الشعير الذي عند عائشة -رضي الله عنها- أخذت تأكل منه مدة، فلما كالته انتهى، دل على كون الأمور تمشي في البركة من غير تدقيق، ومن غير تحسس ولا ترقب متى يفرغ؟ متى ينتهي؟ مثل هذا لا شك أنه أدعى إلى البركة، ولما كالت الشعير وعرفت مقداره انتهى، فإذا كان هذا في مثل هذه المادة المباحة فلن يكون تحسس الأخبار والتجسس والجاسوس صاحب السر، ويطلق على الذي يتحسس الأخبار السيئة ويتجسسها بخلاف الناموس الذي هو صاحب سر الخير.

المصدر: شرح: المحرر - كتاب الجامع (4)