submit

rss

الإنسان قد يكون ثقة في باب وفيه كلام في باب آخر

بسم الله الرحمن الرحيم
الإنسان قد يكون ثقة في باب وفيه كلام في باب آخر

الشيخ: عبد الكريم الخضير
 

الحديث الذي يليه يقول -رحمه الله تعالى-:
"وعن ابن إسحاق" محمد بن إسحاق المطلبي إمام أهل المغازي، إمام في هذا الباب في المغازي وفي السير، لكنه في الحديث فيه ضعف، وإن كان بعضهم قد توسط في أمره، وقال فيه: صدوق، وعلى كل حال وصف بالتدليس فلا بد أن يصرح بالتحديث، ومدح أهل العلم لابن إسحاق في المغازي، واعترافهم بإمامته فيها هذا يدل على أن الإنسان قد يكون ثقة في باب، وفيه كلام في باب آخر، من أمثلة ذلك ابن إسحاق، إمام في المغازي والسير، وفي الحديث فيه ضعف، من ذلكم أيضاً عاصم ابن أبي النجود، إمام في القراءة، وفي الحديث فيه كلام، من ذلكم الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان، إمام في الفقه، وفي الحديث أيضاً فيه كلام، وكونه فيه كلام في هذا الباب لا يؤثر على إمامته في الباب الآخر، فقد يضبط الإنسان ما هو بصدده، ويغفل عما عداه، وإذا اتجه الإنسان إلى أمر من الأمور ضبطه وأتقنه، وإذا غفل عن شيء من الأشياء دخل فيه أو عليه فيه الدخل، فكون أبي حنيفة فقيهاً لا يؤثر في فقهه واستنباطه ودقة نظره أن يكون في حديثه شيء، وإن كان مبنى الفقه على الحديث، وظهر هذا في بعض اجتهاداته -رحمه الله-، واجتهادات أتباعه، وعلى كل حال إمامته في الفقه لا ينازع فيها، لا ينازع فيها أحد، وعاصم بن أبي النجود القارئ المشهور المتقن باتفاق أهل العلم للقراءة، الضابط لها، المبرز فيها، هو عند أهل الحديث فيه كلام، ولا أثر لهذا الكلام في قراءته ألبتة، مثل ما ذكرنا أن الإنسان قد يضبط شيئاً ويعتني به، ومن شدة عنايته به يغفل عن أبواب أخرى.
الآن كثير من القضاة تجدهم في أبواب القضاء الدعاوى والبينات وما يتعلق بالقضاء تجدهم أئمة في هذا الباب، يضبطونه ويتقنونه، لا سيما من تقدمت به السن في القضاء، لكن في الأبواب الأخرى لانشغالهم عنها بهذا العمل العظيم قد يكون عندهم شيء من الخلل، أيضاً المدرس مثلاً، مدرس العلم الشرعي تجد عنايته وضبطه للعبادات أكثر من ضبطه للجنايات مثلاً، فاهتمامه بالعبادات والمعاملات جاء على حساب بعض الأبواب، وبعض الناس يهتم بمسائل المال والاقتصاد، ويكون هذا على حساب أبواب أخرى وهكذا، وبعض الناس يعرف بضبط مسائل الحج، عطاء إمام في هذه المسائل، لكن تجده في أبواب أخرى قد يوجد من هو فوقه في هذه الأبواب.
على كل حال الذي دعا إلى هذا الكلام أن بعض المبتدعة طعن في عاصم بن أبي النجود، وقال: كيف يعتمد على قراءة من وصفه أهل الحديث بأن في حفظه شيئاً، وهذا مثل ما قلنا: ابن إسحاق إمام لا يجارى في المغازي، وفي الحديث منهم من وثقه، ومنهم من ضعفه، حتى قال مالك، ماذا قال؟
طالب: دجال.
دجال من الدجاجلة، لكن التوسط بين أقوال أهل العلم؛ لأنه وجد من رفع من شأنه، ووجد من أنزله عما يستحق، فوصفه بأنه صدوق قول معتبر عند أهل العلم، ومع ذلك مدلس، لا بد أن يصرح، وهنا ما صرح، ولذا حكم على حديثه بالضعف.
ألا يُذكر عن بعض الناس أنه يتقن الفرائض، علم المواريث إتقاناً بحيث أن يقل أن يوجد له نظير، فإذا سألته عن بعض مسائل الصلاة كان شأنه فيها أقل، لماذا؟ لأنه اهتم في هذا الباب، وهكذا، فإذا اهتم الإنسان لباب من أبواب الدين ضبطه وأتقنه، وإذا غفل عن شيء دخل عليه الدخل، تجد من الأئمة الذي يحفظون القرآن، والقرآن محفوظ بين الدفتين، وضبطه أيسر من ضبط السنة، أيسر من ضبط السنة، فكثير من أهل العلم يضبط القرآن، ويتقن القرآن إتقاناً لا يمكن أن يخل فيه بحرف، أو بشكل أو بضبط، بينما تجده في السنة أقل؛ لأن السنة بحر محيط، الإحاطة بها فيه عسر، والعكس نادر جداً، يعني لا تجد من أئمة الحديث من يحفظ مئات الألوف من الأحاديث لا يحفظ القرآن ولا يضبطه، يندر جداً، ولذا لما جاءوا إلى ترجمة ابن أبي شيبة قالوا: إمام حافظ ثقة ضابط إلا أنه لم يحفظ القرآن، هذا نادر جداً، يعني ما يمكن أن ينوه على آخر أنه لم يحفظ القرآن وهو حافظ للسنة، لكن العكس ممكن، القرآن مضبوط بين الدفتين كثير من شباب المسلمين يحفظه في القديم والحديث، لكن السنة دون حفظها خرط القتاد، فتجد الضابط للقرآن يصعب عليه أن يحفظ البلوغ إذا صارت حافظته متوسطة، لكن مع ذلك يحفظ القرآن بكل سهولة وبكل راحة.
أنا أريد أن أقرر أن كلام أهل العلم في عاصم بن أبي النجود بالنسبة للحديث ورواية الحديث وضبط الحديث لا يتطرق إلى قراءته بوجه من الوجوه؛ لأن مثل هذه المسائل تثار وتشوش على الناس، فلا بد من تفنيدها.

المصدر: شرح: المحرر – كتاب الصلاة (16)