submit

rss

عمدة الفقه - كتاب الصيام (1)

باب صيام التطوع

الشيخ/ عبد الكريم الخضير


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب صيام التطوع.
التطوع يعني النفل، القدر الزائد على الواجب، وفائدة التطوع في أبواب الدين، وبذل القدر الزائد على الواجب، تكميل الواجب، وترقيع الخلل الواقع فيه، فإذا وجد في صلاة العبد، وجد فيها شيء من الخلل، قيل: ((انظروا هل لعبدي من تطوع؟)) مثل ذلك في سائر أعماله، فإن كان له شيء من التطوع كمل الواجب، ولا يتقرب العبد إلى الله -جل وعلا- بأفضل مما افترضه الله عليه، تجد بعض الناس يحرص على التطوع مع أنه يخل بما أوجبه الله عليه، بعض الناس يصلي مع المسلمين التراويح والتهجد، ويحرص على ذلك، وإذا جاءت الفرائض نام عنها، مثل هذا الذي يغلب على الظن عدم قبول عمله؛ لأن الإتيان بالواجب هو الأصل، وأداء الواجبات والكف عن المحرمات هو التقوى، والله -جل وعلا- إنما يتقبل من المتقين، أما أن يخل بالواجب، وبعضهم قد يترك الواجب، ومع ذلك يقدم شيء من التطوعات، هذا الذي يغلب على الظن أن عمله غير مقبول، وإن كان ما عند الله لا يمكن حصره؛ لكن من خلال ما جاءنا عن الله -جل وعلا- أن أفضل ما يتقرب به العبد أداء ما افترضه الله عليه، ثم بعد ذلكم لا يزال العبد يتقرب إلى الله بالنوافل حتى يحبه، فإذا أحبه كان سمعه وبصره إلى آخر، فلا يأتي ولا يذر إلا ما يرضي الله -جل وعلا-، وحينئذ يكون ولياً لله -جل وعلا-، الصلوات لها تطوع مطلق، ولها تطوع مرتب، الزكاة القدر الزائد على الواجب تطوع، وقد يجب قدر زائد على الزكاة عند شدة الحاجة إليه، الصيام كذلك، هناك صيام منصوص عليه في أيام وأوقات محددة، وهناك الحث المطلق على الصيام ((من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً)) ((أن في الجنة باب يقال له: الريان يدخله منه الصائمون)) وأشرنا بالأمس إلى شيء من فوائد الصيام، ولسنا بحاجة إلى إعادتها وتكرارها.
الصيام ركن من أركان الإسلام -أعني صيام رمضان-، يليه ما يوجبه الإنسان على نفسه يجب الوفاء به، الكفارات يجب الوفاء بها، إذا لم يجد العتق عدل إلى الصيام، وما عدى ذلك تطوع.
أفصل الصيام صيام داود، كما جاء في الحديث الصحيح ((أفصل الصيام صيام داود يصوم يوماً، ويفطر يوماً)) كما أن ((أفضل القيام قيام داود -عليه السلام- ينام نصف الليل، ثم يقوم ثلثه، ثم ينام سدسه)) فصيام داود هذا وصف الصيام على الإطلاق؛ لكن قد يكون هناك شيء مما يخل بترتيب الإنسان وتنظيمه نفسه على هذا الصيام الفاضل، قد يتعارض عنده نصوص، فإذا اقتضى صيام داود أن يصوم الجمعة مثلاً، يعني يفطر الخميس يصوم الجمعة يفطر السبت، يترتب على ذلك إفراد الجمعة، إذا أفطر الجمعة وصام السبت، صام الأحد يترتب على ذلك إفراد السبت، وهكذا.
فهل نستطيع أن نوفق بين ما جاء النهي عن إفراده وبين صيام داود؟ وهل نستطيع أن نجمع بين أكثر من نص في صيام النوافل المرغب فيها؟ هل نستطيع أن نصوم البيض مع صيام داود؟ هل نستطيع أن نصوم الاثنين والخميس مع صيام داود؟ إن صمنا الاثنين ما صمنا الخميس، وإن صمنا الخميس ما صمنا الاثنين وهكذا، هذا ظاهر، فعلينا أن نرجح، فهل معنى الإطلاق في ((أفضل الصيام صيام داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً)) على إطلاقه، بمعنى أنه يستمر طول العام، يستثني من ذلك الأيام التي يحرم صيامها، كيومي العيدين وأيام التشريق، وما عدى ذلك يصوم يوماً ويفطر يوماً، ولو اقتضى الأمر أن يكون بعض هذه الأيام مفضولاً بالنسبة إلى غيرها، تصورنا أو ما تصورنا؟ نعم، يعني إذا صمنا على صيام داود صمنا السبت والاثنين والأربعاء، واضطررنا أن نفرد الجمعة بالصيام، والأسبوع الثاني تجي تصوم إيش؟ الأحد والثلاثاء والخميس تفرد السبت بالصيام الثاني، فهل نقول: نطرد هذا ونصوم يوماً ونفطر يوماً طول العام ولا نستثني من ذلك إلا ما حرم صيامه؟ أو نقول: نحرص على أن نصوم صيام داود ونقدم الأيام الفاضلة كالبيض والاثنين والخميس، ويكون ما جاء في الحث على صيام داود أغلبي؟
وهل يجزئ عن صيام يوم وإفطار يوم الجمع بأن يصوم الإنسان أسبوع متتالي، ويفطر أسبوع، أو ينتقي من الأسبوع الأيام الفاضلة ويفطر يومين على التوالي، يصوم البيض ويحسب حسابه لما بعدها؟ فداود يصوم شطر الدهر، فهل يكفي أن نصوم شطر الدهر ولو لم نرتب الترتيب المذكور في الحديث: ((يصوم يوماً ويفطر يوماً))؟ هذه مسألة تحتاج إلى عناية، الناس -ولله الحمد- كبار وصغار ذكور وإناث اتجهوا إلى نوافل العبادات، بدأ يظهر يعني الصيام في بيوت المسلمين -ولله الحمد- بعد غفلة طويلة، سببها الانشغال بلقمة العيش، قديماً يكتبون عقود، ثم استمر الأمر على شيء من الغفلة، ثم رجع الناس، هذا شيء ملحوظ -ولله الحمد-، الإقبال ملحوظ، فهل يقال: صوم الاثنين والخميس والبيض، وإذا حصل المجموع نصف الدهر، هذا صيام داود، أو نقول: لا بد من الترتيب تصوم الأحد وتفطر الاثنين، تصوم الثلاثاء وتفطر الأربعاء وهكذا؟.
ولو ترتب على ذلك إفراد بعض الأيام التي جاء النهي عن إفرادها كالجمعة والسبت، ماذا نقول؟ نعم، في مرجح هنا.
ظاهر الحديث على إطلاقه، ولو ترتب على ذلك إفراد الجمعة ((صمتِ أمس؟)) ((صمتِ الخميس؟)) قالت: لا، ((تصومين غداً؟)) قالت: لا، قال: ((إذاً فأفطري)) هذا نص في موضوع أن الجمعة لا تفرد من حديث أم المؤمنين، وصيام داود يذهب عليها هذا أنها لا تصوم الخميس ولا تصوم السبت، فتصوم الجمعة، وقد أمرت أم المؤمنين بأن تفطر، هل نقول: أن الحظر مقدم؟ والذي حثك على هذا الصيام، هو الذي منعك من إفراد الجمعة، وإذا كان لا يمنعك من الصيام إلا اتباع الآثار، اتباع التوجيهات الشرعية يكتب لك الصيام؛ لأن ما في شرعنا مقدم على ما في غيره، ومسألة جديرة بالعناية، مسألة الآن كثير من الناس -ولله الحمد- يصوم، موجود في بيوت المسلمين من يصوم يوماً ويفطر يوماً، يخرج من هذه القاعدة، وهذا العمل المرتب، ما جاء النهي عن صيامه كالعيدين وأيام التشريق، وما جاء النهي عن إفراده؛ لأن الحظر –المنع- مقدم على الأمر، فضلاً عن الإباحة، هذه مسألة.
المسألة الأخرى: النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((أفضل الصيام صيام داود كان يصوم يوماً، ويفطر يوماً)) ولا حفظ عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه فعل ذلك؛ لكن هل نحن مطالبون بفعله أو بقوله؟ بقوله؛ لأن الفعل لا عموم له، يبقى أنه من كان في مثل وضعه -عليه الصلاة والسلام- في العمل العام الذي يخدم الأمة، والصيام يؤثر عليه ويعوقه عن تحقيق بعض المصالح المنوطة به، يكون في حقه الفطر أفضل، تحصيلاً للنفع المتعدي، يعني لو قدرنا شخص يؤثر عليه الصيام، وهذا موجود عند بعض الناس، موجود عند بعض الناس إذا صام لا يستطيع أن يزاول عمله، نفترض المسألة في قاض في مفتٍ في مدرس نفعه عام، فهل الأفضل أن نقول: صم صيام داود، وإذا صار اليوم الذي أنت صائم فيه احتجب عن الناس؛ لأنك لا تستطيع التوفيق فيه، أو نقول: أفطر وانفع الناس؟ نعم لأن النفع المتعدي أفضل من النفع القاصر غالباً، وليس هذا على إطلاقه، فالصلاة نفعها قاصر، والزكاة نفعها متعدي، والصلاة أفضل من الزكاة كما هو معروف، الصلاة الركن الثاني؛ لكن هذا غالب أن النفع المتعدي أفضل من النفع القاصر، فنقول في مثل هذا الأفضل أن تترك الصيام إذا كان يعوقك عن النفع المتعدي، لا سيما إذا كان هذا النفع له شيء من العموم والشمول، بحيث تكون مصالح الأمة معلقة به، فإذا ترتب على ذلك تضييع هذه المصالح نقول: لا تتطوع في الصيام، وإذا علم الله نيتك أثابك على قدر ما نويت، إذا علم الله أنه ما حبسك عن الصيام إلا هذا النفع نقول: ........
المؤلف -رحمه الله تعالى- يحرص أن تكون عباراته بأدلة، فيحرص أن يصوغ العبارة على مقتضى وعلى وفق حديث، الآن حديث ((أفضل الصيام صيام داود)) من حديث عبد الله بن عمرو، متى قال الرسول -عليه الصلاة والسلام- لعبد الله بن عمرو هذا الكلام؟ عبد الله بن عمرو عنده رغبة أكيدة وشديدة لمزيد العبادات والطاعات فهل مثل هذا الذي عنده الرغبة الشديدة يبدأ فيه بالأشد أو يبدأ فيه بالأسهل؟ هذا عنده رغبة شديدة ابن عمرو جاء متحمس يصوم الدهر، ويقوم الليل ولا يفتر، هل مثل هذا يقال له: أفضل الصيام صيام داود، صم يوماً أو أفطر يوم، أو يقال له: صم ثلاثة أيام من كل شهر كانت ثلث الدهر؟ يعني فرق بين شخص لديه رغبة شديدة في فعل الخير، وبين آخر يلمح منه ويشم منه رائحة التساهل.
جاء عبد الله بن عمرو يبي يصوم الدهر كله، ويبي يقوم الليل كله، ويقرأ القرآن في كل يوم، النبي -عليه الصلاة والسلام- قال له: ((اقرأ القرآن في كل شهر)) لكن هل مناسب أنه يوجه طلاب العلم إلى أن يقرءوا القرآن في شهر، مع ما عرف عند كثير منهم من التساهل، لا يقال لهم: السلف يختمون كل يوم، وعساهم يقرؤون بعد.
المسألة مسألة علاج تعالج شخص أمامك ، شخص عنده حب ورغبة في الخير، إن عاملته بالأشد لا يا أخي عنده رغبة شديدة، ولذلك عبد الله بن عمرو ما قبل توجيه النبي -عليه الصلاة والسلام- عندما قال له: ((اقرأ القرآن في شهر)) قال: إني أطيق أكثر من ذلك، قال: ((اقرأ القرآن في الشهر مرتين)) قال: أطيق أكثر من ذلك، إلى أن قال له: ((اقرأ القرآن في سبع ولا تزد)) وزاد قرأ القرآن في ثلاث؛ لأنه فهم أن النهي رفقاً به، لا منعاً من القراءة، ولذلك ندم في آخر عمره أن خالف هذا الأمر، صار يتعبه قراءة القرآن في شهر، الرسول عرض عليه في الصيام بالتدريج، الأقل ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، إلى أن قال له في النهاية بدلاً من أن يصوم الدهر ((صم يوماً وأفطر يوماً)) فأنت تنظر فيمن أمامك ممن تخاطبهم، أمامك جمع يغلب عليهم التشدد، ويغلب عليهم التحري، ويغلب عليهم الحرص على الخير، تخفف، المسألة مسألة علاج، تريد أن تنفعهم في أمور دينهم ودنياهم، وتجعل هناك توازن، الإسلام -ولله الحمد- دين توازن، وبالعكس إذا كنت تشوف ناس منصرفين، وتأتي بالنصوص التي تحثهم على الخير والازدياد منه ((أعني على نفسك بكثرة السجود)) الرسول -عليه الصلاة والسلام- قام حتى تفطرت قدماه، يعني لو يقال لمثل عبد الله بن عمرو بن العاص: الرسول قام حتى تفطرت قدماه، هل بينام من الليل شيء؟ لا، المقصود أن النصوص الشرعية علاج، كما يقال نضيره فيمن يلاحظ عليه التشدد والتنطع، مثل هذا يعالج بأحاديث الرجاء، وأخبار الرجاء، نصوص الرجاء، والعكس إذا وجد شخص منفلت يعالج وضعه بنصوص الوعيد، والخير في الجمع بينهما، لكن أنت تعالج شخص، مثل الآن شخص مرتفعة حرارته تعطيه شيء يخفض الحرارة، شخص منخفض الحرارة تعطيه شيء يرفع الحرارة، وهكذا، فعبد الله بن عمرو عنده رغبة شديدة في عمل الطاعات، لو قيل له من أول مرة: صم يوماً وأفطر يوماً، كان ما في فرق بين ما اقترحته وبين صيام داود، والمسألة أصوم كل يوم إيش الفرق؟ لكن بدأ به بالتدريج.
((وأفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي يدعونه المحرم)) أفضل صيام بعد رمضان، جاءت النصوص بإطلاق رمضان من غير إضافة شهر، وإن وجد في السلف من يكره قول رمضان، قبل إضافة الشهر إليه، من غير إضافة الشهر إليه، وفي الحديث الصحيح ((من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)) من صام رمضان، ما في شهر، كره بعض السلف أن يقال: رمضان من غير إضافة الشهر إليه؛ لكن النصوص تدل عليه ((وأفضل الصيام بعد رمضان شهر الله الذي يدعونه المحرم)) الناس يدعونه المحرم، فأفضل الصيام ما كان في شهر الله المحرم، والمحرم أحد الأشهر الحرم الأربعة، ثلاثة سرد: ذو القعدة والحجة والمحرم ورجب، رجب مضر، والعبادة في هذه الأشهر فاضلة، حتى توقف ابن القيم في تفضيل عمرة رمضان على عمرة الأشهر الحرم، توقف ابن القيم في ذلك، وسبب ذلك أن النبي -عليه الصلاة والسلام- اعتمر أربع مرات ليس فيها واحدة في رمضان، وإنما كلها في ذو القعدة.
((وأفضل الصيام بعد رمضان شهر الله الذي يدعونه المحرم)) ثم جاء بنص آخر، ذكرنا أن المؤلف -رحمة الله عليه- وهذا مما يميز هذا الكتاب، كتاب عظيم، تأليف إمام من أئمة الدين، من أئمة العلم والعمل، يحرص أن تكون العبارات بنصوص، ولذا تولى شيخ الإسلام بن تيمية شرح الكتاب، ما شرح كتاب غير هذا الكتاب لأهميته.
((وما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من عشر ذي الحجة)) وجاء المؤلف بهذا الحديث ليدلل ويبرهن على استحباب صيام عشر ذي الحجة، والمراد بذلك الغالب، بحيث لا يدخل يوم العيد، الذي هو العاشر ((وما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من عشر ذي الحجة)) قيل: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ((ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء)) فالعمل الصالح في هذه الأيام أفضل من العمل في غيرها، حتى قال بعضهم: أن العمل في نهار هذه العشر أفضل من العمل في نهار العشر الأخير من رمضان، وعلى هذا يستحب، بل يتأكد صيام هذه الأيام العشر؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- حث على العمل الصالح في هذه الأيام، وبين بنصوص كثيرة أن الصيام من أفضل الأعمال، قد يقول قائل: ثبت في صحيح مسلم عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- ما كان يصوم العشر.
كيف نقول: باستحباب صيام العشر، والرسول -عليه الصلاة والسلام- ما كان يصومها؟ نقول: أيضاً الرسول -عليه الصلاة والسلام- ما كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وحث على العمرة في رمضان وقال: ((تعدل حجة)) وفي رواية: ((كحجة معي)) وما اعتمر في مرضان، ويكفينا من ذلك قوله -عليه الصلاة والسلام- في تفضيل العمل الصالح في هذه الأيام، ومن أفضل الأعمال الصيام، فإذا ربطنا هذا بهذا قلنا: الصيام في هذه العشر مستحب، كونه -عليه الصلاة والسلام- ما صام، لحديث عائشة في مسلم لما أشرنا إليه في صيام داود؛ لأنه يتولى الأعمال العامة للأمة، أعمال الأمة منوطة به، والأمر الثاني: أنه لو تضافر قوله مع فعله ما طابت نفس المسلم إلا أن يفعل، إيش معنى هذا الكلام؟ في قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((عمرة في رمضان تعدل حجة)) وفي رواية: ((حجة معي)) وترون الزحام امتثالاً لهذا التوجيه، الزحام الشديد، يعني كيف تتصور الوضع لو كان النبي -عليه الصلاة والسلام- مع ذلك اعتمر في رمضان، لكان الأمر أشد، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- يبين فضل العمل ويتركه شفقة بالأمة، دخل الكعبة وهو نادم على ذلك خشية أن يشق على أمته، قام ليلتين أو ثلاث من رمضان وترك خشية أن يفرض القيام على الأمة، وهذا من شفقته -عليه الصلاة والسلام- ونصحه لأمته، ولا يأتي من يقول: أن صيام العشر غير مشروع؛ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- ما صام، نقول: لا، مشروع، أفضل الأعمال ((ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من عشر ذي الحجة)) والإمام أحمد -رحمه الله تعالى- يقول: "ثبت أن النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يصوم العشر من حديث بعض أمهات المؤمنين" فكون عائشة تقول: ما صام، وأخرى تثبت أنه صام، والقاعدة أن المثبت مقدم على النافي؛ لأنه على زيادة علم، يحتمل أن عائشة لطول العهد نسيت، وغيرها حفظوا أكثر؛ لأنها عمرت بعده قرابة خمسين سنة، وأثبت غيرها أنه صام، فالمقصود أن صيام العشر من أفضل الأعمال، من أفضل ما يتقرب به الإنسان، وهذا محفوظ عن سلف هذه الأمة وأئمتها.
((من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله)).
من صام رمضان، أكمل صيام رمضان وأتبعه، مفهوم (أتبعه) أنه أكمل صيام شهر رمضان، ثم بعد ذلك أتبعه بصيام ستة أيام من شوال، هنا مسألة التطوع في الصيام قبل القضاء، قضاء الواجب، يعني مفهوم (أتبعه) أنه صام الشهر كاملاً بما في ذلك القضاء إن كان عليه القضاء، ثم أتبع ذلك بصيام ستة أيام من شوال ((من صام رمضان وأتبعه)) فهل يجوز التطوع قبل القضاء؟ شخص عليه ستة أيام من رمضان، مسافر، أو امرأة حاضت ستة أيام من رمضان، أفطرت وعليها القضاء، والمسافر عليه القضاء، بقي من شوال ستة أيام فقط، هل نقول له أو نقول لها: هذه الستة الأيام اقضي فيها الواجب، وتخلصي من عهدة الواجب بيقين أو نقول: النفل وقته مضيق، والقضاء وقته موسع، حصلي أجر الست، والقضاء تلحقي عليه، لأن وقته موسع، يعني التطوع قبل القضاء يجوز أو ما يجوز؟
طالب:.......
لماذا؟ كيف؟ قد يتوفى؛ لكن لو قال: أنا باقي ستة أيام، أصوم ستة من شوال، والقضاء موسع إلى شعبان، أحد يحجر عليه؟ ما حد يحجر عليه، يقول: أنا بأخر القضاء إلى أشهر ما حد يمنعه، ولا حد يقول له: يمكن أنك تموت فاقضي الآن، القضاء موسع، هل يقدم الواجب الموسع مع أنه في سعة، على المندوب الذي تضايق وقته بحيث لا يستوعب غيره؟
الآن لو انتبه الإنسان لصلاة الصبح، وقد طلعت الشمس، هل نقول: بادر بصلاة الفريضة أو نقول: صلي ركعتين ثم تأتي بالفريضة؟ نعم يأتي بالركعتين، ثم بعد ذلك لأن الآن صار الوقت فيه سعة، خرج وقته وانتهى، يأتي بركعتين، ثم يأتي بالفريضة، على كل حال المسألة التي معنا مسألة خلافية بين أهل العلم، ثبت في الصحيح أن عائشة -رضي الله عنها- كان يكون عليها القضاء من رمضان فلا تتمكن من قضائه إلا في شعبان لمكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منها، هل نقول: أن عائشة ما تتنفل مطلقاً ما تصوم الست، ولا تصوم يوم عرفة يكفر سنتين، ما تصوم يوم عاشوراً؟ هل يظن بعائشة أنها ما تصوم النوافل أبداً؟ ما تصوم نوافل؟ تسمع النصوص الصحيحة الصريحة من النبي -عليه الصلاة والسلام- مباشرة بأن يوم عرفة يكفر سنتين، ويوم عاشوراء يكفر سنة ولا تصوم ((من صام رمضان وأتبعه ست من شوال)) ولا تصوم؟ مع أنها تؤخر القضاء على شوال، هل يظن بعائشة هذا؟ هذه حجة من يقول: بجواز تقديم صوم النفل على القضاء؛ لأن القضاء وقته موسع، ولا أحد يلزم بالقضاء قبل دخول رمضان الثاني، والأكثر على أنه لا يتطوع حتى يخرج من عهدة الواجب، ومن أصرح الأدلة (أتبعه) يعني الذي يصوم الست قبل أن يكمل عدة رمضان ما يكون أتبعه، يعني صام في أثنائه، ما يكون أتبع صيام رمضان.
((فكأنما صام الدهر كله)) الآن صيام رمضان مع ست شوال ممدوح أو مذموم؟ ممدوح، صيام الدهر ممدوح أو مذموم؟ مذموم، إذاً كيف يشبه الممدوح بالمذموم؟ ((فكأنما صام الدهر كله)) وثبت النهي عن صيام الدهر، إذاً يثبت النهي في شبه، صيام الدهر لو إنسان صام الدهر يؤجر؟ الوحي من أنواعه كما في الحديث الصحيح عن ابن عباس ((أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس)) الوحي محمود والجرس مذموم، كيف؟ كيف شبه المحمود بالمذموم؟ من وجه دون وجه، يعني تشبيه رؤية الباري برؤية القمر من وجه دون وجه، يعني في الوضوح لا بمشابهة المرئي بالمرئي، يعني في الرؤية فقط، هنا الجرس له جهتان: جهة قوة صوت، وتدارك يشبه به الوحي، وجهة إطراب وجهة قوة في الصوت وتدارك في الصوت يمكن أن يشبه من جهة، ولا يشبه من جهة، الجهة التي ذم فيها لا يشبه بها.
((إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه)) هنا نهينا عن التشبه بالبعير، وأمرنا أن نقدم اليدين قبل الركبتين، البعير يقدم يديه قبل ركبتيه، وقد نهينا عن مشابهته، وأمرنا بتقديم اليدين قبل الركبتين، كيف؟ يأتي هذا وإلا تناقض؟ يعني المشابهة، مشابهة البعير في بروكة؛ لأنه متى يقال في اللغة: برك البعير وحصص البعير؟ إذا أثار الغبار وفرق الحصى، فإذا قدمنا اليدين ونزلنا على الأرض بقوة مثل بروك البعير جاء النهي؛ لكن إذا وضعنا اليدين مجرد وضع قبل الركبتين امتثلنا الأمر، ولا أشبهنا البعير، وحينئذ لا نحتاج إلى أن نقول: الحديث مقلوب، ولا فيه أدنى إشكال.
هذا استطراد يوضح ما نحن فيه.
((فكأنما صام الدهر كله)) الشهر بعشرة أشهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، والستة عن شهرين، عن ستين يوماً لأن الحسنة بعشرة أمثالها، إذاً كأن الإنسان صام الدهر، ظاهر أو ما هو ظاهر؟ قد يقول قائل: أنا أصوم رمضان عن عشرة أشهر وأصوم في القعدة ستة أيام عن ستين يوم كأني صمت الدهر كله، صح أو لا؟ وإيش الذي يفضل شعبان على القعدة وذي الحجة ما دام الحسنة بعشرة أمثالها إيش الفرق؟ أنا أضمن رمضان؛ لأنه فريضة لا أستطيع أن أتصرف فيه، عن عشرة أشهر، والستة الأيام من أي شهر، ليش من شوال؟ لأن هذا أمر معقول حسابي، الحسنة بعشرة أمثالها، الستة الأيام عن ستين يوم، والستين اليوم بشهرين، أضيفها إلى العشرة الأشهر هذه سنة، كأنك صمت الدهر، الآن ما هو معلل هذا، ظاهر العلة، وعلته منصوصة، ما عاد نقدر نستنبط علة، علته منصوصة، الحسنة بعشرة أمثالها، والشهر بعشرة أشهر، والستة الأيام عن ستين يوم من أي شهر كانت، وجاء فيها ((ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر)) لأن الحسنة بعشرة أمثالها.
فما الذي يفضل شوال على القعدة والعلة منصوصة؟ يعني شيئاً واضح حسابي، إحنا يا إخوان ما نبي نعترض على الشارع، إحنا نبي نقرب إشكال ثم نسعى في حله، ألا يرد مثل هذا؟ ما يرد، ألا يمكن أن يقال: ما دام ستة أيام عن ستين يوم في أي شهر كانت، إحنا ضمنا رمضان عشرة أشهر، وستة أيام عن ستين يوم في أي شهر إيش المانع؟ قد يقوله قائل، فلماذا نقيده بشوال؟ مسابقة في الخير، يعني أنا أسابق في صيام الست وأجل قضاء رمضان إلى شعبان، يجوز لي هذا، الإشكال وارد وإلا ما هو بوارد؟ له وجه أو ما له وجه؟ هذه مسألة حسابية وكلها مبنية على نصوص، نريد أن نخرج من هذا الإشكال، إحنا في حلقة تدريس وعلم ما نحن نلقي شبه على عوام، ما في تعليم إلا بهذه الطريقة، إحنا ما نعترض على الشارع.
طالب:.........
نعم في حكمها، نعم ليكون الأجر واحد؛ لأنه اتبعنا رمضان بست من شوال ليكون أجر الدهر من جنس رمضان، بينما لو صمنا من القعدة ما صارت من شوال الملحق برمضان، فالست هذه من شوال ملحقة بشهر رمضان، فكأنه صام الدهر كله من جنس رمضان، الملحق بالشيء أتبعه كأنه منه.
وصيام يوم عاشوراء كفارة سنة، وصيام يوم عرفة كفارة سنتين، النبي -عليه الصلاة والسلام- قدم المدينة فوجدهم يصومون -اليهود يصومون- فسألهم فقالوا: هذا يوم نجى الله فيه موسى، وأهلك فرعون، قال: ((نحن أحق بموسى)) وفي آخر أمره -عليه الصلاة والسلام- قال: ((لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع والعاشر)) وفي رواية: ((مع العاشر)) من أجل مخالفة اليهود، اليهود يصومون عاشوراء فقط، وكان النبي -عليه الصلاة والسلام- يحب موافقتهم تأليفاً لهم؛ لكن لما أيس منهم أمر بمخالفتهم، كما هنا، وكما في فرق الشعر.
وصيام يوم عاشوراء كفارة سنة، وصيام يوم عرفة كفارة سنتين، ((أحتسب على الله أن يكفر السنة الماضية والباقية)) والتكفير إنما يكون للصغائر ((رمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة، والصلوات الخمس كفارة لما بينها ما لم تغش كبيرة)) نص ((ما اجتنبت الكبائر)) فدل على أن الكبائر لا تدخل في هذا التكفير، إذاًَ شخص صام رمضان، واعتمر، يعتمر في السنة مراراً، ويصلي الصلوات الخمس، ويصوم يوم عاشوراء، ويوم عرفة، والمكفرات عنده كثيرة، ويجتنب الكبائر {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}
[(31) سورة النساء] فاجتناب الكبائر مكفر للصغائر، فإذا كانت الصغائر مكفرة بمجرد اجتناب الكبائر فماذا يبقى للصلوات الخمس ورمضان والعمرة إلى العمرة وبقية المكفرات؟ نقول: إن بقي شيء من الصغائر كفرتها، وإن لم يبق خفف عنه ما شاء الله من الكبائر، يخفف عنه إذا انتهت الصغائر.
وصيام يوم عرفة كفارة سنتين، ولا يستحب لمن بعرفة أن يصومه، والعلة ظاهرة؛ لأن الصائم يضعف عن الدعاء والتضرع والعبادة في هذا المكان، وفي هذا الزمان عشية يوم عرفة، يضعف، والنبي -عليه الصلاة والسلام- شرب على مرأى من أصحاب الموقف، والخير في اتباعه -عليه الصلاة والسلام-.
قد يقول قائل: كون الإنسان صائم في هذا الموقف متعرض لنفحات الله على أكمل حال، وأكمل هيئة، صائم، وصيام يوم عرفة يكفر سنتين، هذا أجر أجدر وأحرى للقبول، لماذا لا نصوم؟ والمسألة الآن لا تكلف يعني ما هنا مشقة مع التكييف، ومع الأمور التي تساعد الراحة، كثيرة، ومتيسرة -ولله الحمد-، فيقول: لماذا لا أضم مع الوقوف في هذا الموقف العظيم التعرض لنفحات الله، وأتوسل إليه، وأتقرب إليه بالصيام الذي يكفر سنتين؟ النبي -عليه الصلاة والسلام- أفطر، شرب لبناً من قدح، وهم ينظرون إليه -عليه الصلاة والسلام-، وكل خير في اتباعه، جاء في الحديث: "نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة" لكن الحديث فيه مقال، ولذا يرى بعضهم كابن عمر وغيره استحباب الصيام، وصامه كثير من السلف، ويرى آخرون تحريم الصيام لحديث: "نهى عن صوم يوم عرفة في عرفة" وعلى كل حال التحريم مبني على ثبوت الخبر، والخبر فيه ضعف، وإذا سئلنا عن الأكمل والأفضل، لا شك أن الفطر أكمل وأفضل؛ لأنه فعل النبي -عليه الصلاة والسلام-.
ولا يستحب لمن بعرفة أن يصومه، ويستحب صيام أيام البيض، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر، لحديث أبي ذر -رضي الله عنه-، الأمر بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، والحث عليه أوصى به النبي -عليه الصلاة والسلام- جمع من أصحابه، حديث أبي هريرة وأبي ذر وأبي الدرداء وجمع من الصحابة أوصاهم بصيام ثلاثة أيام من كل شهر؛ لكن تخصيص البيض، وتعيين البيض، جاء في حديث أبي ذر: "أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام ثلاثة عشرة وأربع عشرة وخس عشرة" مخرج في السنن وصحيح ابن حبان وغيرها.
تسمى بيض لأن الليالي تبيض بنور القمر في هذه الليالي، فالحث على صيام ثلاثة أيام من كل شهر مطلق يمكن تقييده بهذه الأيام.
لكن قد يقول قائل: أنا أصوم ثلاثة أيام من كل شهر كالحث على صيام الاثنين، أبى أصوم الاثنين، كل اثنين أصومه، وأريد أن يدخل في ذلك صيام الاثنين وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ومن صام يوماً في سبيل الله أريد أن أدخل الجنة بكل هذا، يحصل أو ما يحصل؟ يحصل، فضل الله واسع.
والاثنين والخميس جاء في الحديث أنه ترفع الأعمال في الاثنين والخميس ((فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم)) وجاء أيضاً عن صيام الاثنين ((أنه يوم ولدت فيه، وأوحي إلي، وبعثت فيه)) إلى آخره، المقصود أن يوم الاثنين آكد من الخميس؛ لأن فيه أكثر من سبب، في أجوبته -عليه الصلاة والسلام-.
والاثنين والخميس، والصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر، ولا قضاء عليه؛ لأنه أمير نفسه؛ لكن لا ينبغي أن يبطل عمله بغير عذر.
شخص صام الاثنين أو الخميس دعي إلى وليمة، ورأى أن فطره أفضل لأنه يجبر خاطر أخيه المسلم، يفطر أفضل، وجاء الأمر بإجابة الوليمة ((إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليجب، فإن كان مفطر فليطعم، وإن كان صائماً فليصلِ)) يعني فليدعو، وعلى كل حال المتطوع أمير نفسه؛ لكن لا ينبغي أن يفطر لغير عذر؛ لأن هذا عمل تيسر، يسره الله لك وشرعت فيه وأجره عظيم، لا ينبغي أن تبطله.
إن شاء صام، وإن شاء أفطر، ولا قضاء عليه؛ لأنه أمير نفسه، وصام من غير إلزام، والقضاء له يحكي الأداء، القضاء يحكي الأداء، فمادام الأداء سنة فالقضاء مثله، لا قضاء عليه، وكذلك سائر التطوع، تطوع بأي عمل من الأعمال ثم قطعه لعارض راجح لا يلزمه أن يأتي بغيره قضاء.
إلا الحج والعمرة، مستثنى لقوله تعالى: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ}
[(196) سورة البقرة] من شرع في حج النفل يلزمه إتمامه، من شرع في عمرة النفل يلزمه إتمامها؛ لأن الله -جل وعلا- يقول: {وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ} [(196) سورة البقرة] كما أنه جاء النهي عن إبطال العمل {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [(33) سورة محمد].
إلا الحج والعمرة فإن يجب إتمامهما وقضاء ما فسد منهما، إذا فسد الحج يمضي الحاج في فاسده، وعليه القضاء من قابل، وأفتى بذلك الصحابة.
ونهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن صوم يومين يوم الفطر ويوم الأضحى، أي يومي العيدين يحرم صيامهما، ولا ينعقد، وهذا بالإجماع، والنهي متفق عليه من حديث عمر وأبي هريرة وغيرهما، لا يجوز أن يصام يوم عيد الفطر، ولا يوم عيد الأضحى.
وكذلك أيام التشريق، قد جاء في الحديث عند مسلم وغيره ((أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله)) فهي من أيام العيد، لا يجوز صيامها إلا ما استثني، "إلا أنه رخص بصومها للمتمتع إذا لم يجد الهدي" المتمتع إذا لم يجد الهدي عليه صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، هذه الأيام الثلاثة إن لم يتمكن من صيامها قبل يوم العيد صامها أيام التشريق، إذا كان يغلب على ظنه أنه لن يجد الهدي، حج متمتعاً نقول له: أحرم في اليوم السادس، صم السادس والسابع والثامن، وأفطر يوم عرفة لتتقوى على العبادة، إن كان يغلب على ظنه أنه يجد الهدي ثم جاءه يوم العيد ما وجد هدي يصوم أيام التشريق، رخص له في أن يصوم أيام التشريق.
هل يجوز أن يصوم الأيام الثلاثة قبل إحرامه بالحج؟ متى يحرم بالحج؟ يوم التروية، المتمتع في يوم التروية يوم الثامن، هل نقول: يلزمك أن تحرم بالحج في اليوم السادس لكي تصوم السادس والسابع والثامن، أو ليلة السادس، أو ليلة السابع تصوم السابع والثامن والتاسع على القول بجواز صوم يوم عرفة؟ أو نقول: يجوز له أن يصوم قبل أن يحرم؟ يعتمر يؤدي العمرة ويتحلل منها ثم يصوم ثلاثة أيام ثم يحرم بالحج يوم التروية، يجوز أو ما يجوز؟ نعم لأن النص {ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ}
[(196) سورة البقرة] وفي للظرفية، فمفهومه أنه يحرم بالحج قبل يوم التروية، ليصوم ثلاثة أيام قبل يوم عرفة أو قبل يوم العيد على الخلاف في صيام يوم عرفة.
إذا كان للعبادة سبب وجوب، ووقت وجوب لا يجوز له أن يقدمها عليهما، ويجوز له التأخير عنهما، لا يجوز التقدم عليهما اتفاقاً، ويجوز تأخيرها عنهما اتفاقاً، والخلاف فيما بين السبب ووقت الوجوب، إيش معنى هذا الكلام؟ شخص حلف ألا يزور فلاناً فرأى من الخير أن يزور فلاناً ((لا أحلف على شيء فأجد غيره خير منه إلا كفرت عن يميني، ثم أتيت الذي هو خير)) وفي بعض النصوص: ((إلا أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني)) فجاء التكفير قبل الحنث؛ لكن هل يكفر قبل انعقاد السبب قبل الحلف قبل اليمين؟ لا، ويجوز أن يؤخر التكفير عن اليمين بعد انعقاد سببه وهو اليمين، وبعد وقت وجوبه وهو الحنث، يجوز؛ لكن بينهما بين اليمين والحنث هذا محل الخلاف، والنص دليل على جوازه ((إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير)) وهنا سبب الوجوب الإحرام بالعمرة؛ لأن العمرة جزء من الحج بالنسبة للمتمتع؛ لأن الهدي إنما وجب بالعمرة والحج معاً، لو كانت عمرة فقط ما لزمه دم، لو كان حج فقط ما لزمه دم، إذاً العمرة لها دخل في الدم، والإحرام بها مع نية التمتع انعقاد لسبب الدم، فانعقد سببه بالإحرام بالعمرة، ووقته بعد الإحرام بالحج، ليكون في الحج، فلا يجوز أن يصوم ثلاثة أيام قبل إحرامه بالعمرة، ويجوز اتفاقاً أن يصوم الثلاثة أيام بعد الإحرام بالحج، والخلاف فيما بينهما، والمسألة قاعدة عند ابن رجب، ولها نظائر وأمثلة تراجع في القواعد لابن رجب -رحمه الله-.
"إلا أنه رخص في صومها للمتمتع إذا لم يجد الهدي، وليلة القدر في الوتر في العشر الأواخر من رمضان"
ليلة القدر ليلة عظيمة، خير من ألف شهر، اختلف فيها أهل العلم على نحو من خمسين قولاً، استوفاها ابن حجر في فتح الباري.
وهي ليلة من قامها إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، وبعض الروايات: ((وما تأخر)) وهي خير من ألف شهر، كما في القرآن، ومن حرمها حرم الخير كله.
وهي الراجح عند أهل العلم أنها في رمضان، وأنها في الشعر الأواخر، وأوتار العشر الأواخر آكد من أشفاعه، أوتار العشر الأواخر آكد من الأشفاع، كما جاء بذلك الخبر، في العشر الأواخر من رمضان، والخلاف بين أهل العلم في أرجح الليالي، ولكل قول دليله من صحيح السنة، ومن أقوال سلف الأمة، ولذا ليلة واحد وعشرين فيها دليل في الصحيح، ليلة ثلاثة وعشرين قول جمع من أهل العلم، ليلة خمسة وعشرين، ليلة سبع قول الأكثر من الصحابة والتابعين، ولذا يرى جمع من المحققين أنها ليست في ليلة بعينها بحيث تتكرر كل سنة ليلة سبع وعشرين، بل هي متنقلة في أوتار العشر، ليلة القدر متنقلة، ممكن هذه السنة هذه في واحد وعشرين، كما جاء في الحديث الصحيح في الصحيحين ((رأيتني أسجد في صبيحتها في ماء وطين)) وهي ليلة واحد وعشرين، ورؤيا النبي وحي، وجاء أدلة استوعبها واستوفاها مع من قال بها من أهل العلم الحافظ ابن حجر في فتح الباري.
ومع ذلكم خرج النبي -عليه الصلاة والسلام- ليخبرهم عن ليلة القدر فتلاحا رجلان من المسلمين فرفعت، يعني رفع تعيينها ما رفع وجودها عن الأمة، لا هي موجودة؛ لكن رفع تعيينها، وهذا من شؤم التلاحي.
وأيضاً هناك حكمة في رفع تعيينها لكي يجتهد المسلم، ويطلب الخير من أبواب، لا من باب واحد، فلم تعين لكي يزداد اجتهاد المسلم، ويعظم أجره في طلبها، كإخفاء ساعة الجمعة مثلاً، لكي يجتهد المسلم فيبحث عنها ويكثر من صدق اللجأ إلى الله -جل وعلا-، والانكسار بين يديه، لعله أن يصادفها.
وهل يحس بها أو هل يمكن يحس بها الإنسان أو لا يحس؟ هل يمكن أن يقوم العشر ولا يدري أيها ليلة القدر؟ ممكن، ويحصل له أجرها، ولو لم يحط بها عند جمهور أهل العلم، وإن قال بعضهم: أنه قد يحس بها، وإذا لم يحس بها فإنه لا يدركها ولحديث عائشة أنها قالت: يا رسول الله إن وافقتها فبما أدعي؟ قال: ((قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني)) هذا دليل على أنها يحس بها لا سيما بالنسبة للقلوب الواعية الحاضرة السليمة يدركونها، وهي ليلة طلقة بلجة راكدة، لا قارة ولا حارة، والله المستعان، لا يرمى فيها بشهاب، وغير ذلك من العلامات التي جاءت بها الأخبار.
ومن قام العشر إيماناً واحتساباً ضمن له أنه قام ليلة القدر، ولها علامات، ذكرها أهل العلم، واستوفوها في الشروح، لا نطيل في ذكرها، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.