submit

rss

بلوغ المرام - كتاب القضاء (1)

شرح: بلوغ المرام - كتاب القضاء (1)

عبد الكريم الخضير

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سم.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله تعالى- في كتابه بلوغ المرام:
كتاب: القضاء
عن بريدة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقضِ به وجار في الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار)) رواه الأربعة, وصححه الحاكم.
وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين)) رواه أحمد والأربعة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان.
وعنه -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إنكم ستحرصون على الإمارة, وستكون ندامة يوم القيامة, فنعمت المرضعة, وبئست الفاطمة)) رواه البخاري.
وعن عمرو بن العاص -رضي الله تعالى عنه- أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)) متفق عليه.
وعن أبي بكرة -رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان)) متفق عليه.
وعن علي -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر فسوف تدري كيف تقضي؟)) قال علي: فما زلت قاضياً بعد. رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه, وقواه ابن المديني, وصححه ابن حبان.
وله شاهد عند الحاكم من حديث ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-.
وعن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو مما أسمع منه، فمن قطعت له من حق أخيه شيئاً فإنما أقطع له قطعة من النار)) متفق عليه.
وعن جابر -رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((كيف تقدس أمة لا يؤخذ من شديدهم لضعيفهم؟!)) رواه ابن حبان.
وله شاهد من حديث بريدة عند البزار، وآخر من حديث أبي سعيد عند ابن ماجه.
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((يدعى بالقاضي العادل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما يتمنى أنه لم يقضِ بين اثنين في عمره)) رواه ابن حبان وأخرجه البيهقي ولفظه: ((في تمرة)).

حسبك.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فيقول المصنف -رحمه الله تعالى-:
كتاب: القضاء
القضاء بالمد يطلق ويراد به ما يشارك أو ما هو بإزاء القدر، القضاء والقدر، ويطلق أيضاً ويراد به الحكم، يطلق ويراد به الفراغ من الشيء، ويطلق بإطلاقات بلغها بعضهم وأبلغها إلى عشرة، مع إمكان التداخل في بعضها.
والقضاء هو بيان الحكم للمتخاصمين المتنازعين المختلفين مع الإلزام به، وبهذا يفترق ويختلف عن الفتوى التي هي بيان الحكم من غير إلزام، فإذا احتيج إلى الخصومة بين طرفين مع الحاجة الداعية إلى إلزام أحدهما بالحكم فهو قضاء، وإن احتيج إلى بيان الحكم لتبرأ الذمة ويخرج من العهدة مع غير إلزام له بذلك، وتتبع إلزام بشري، أما إلزام إلهي فنتيجة الفتوى أيضاً ملزمة، إذا سأل من تبرأ الذمة بتقليده من أهل العلم، وأمره بشيء لزمه اعتماد قوله، وإذا حصل له أمر من أمور دينه أو دنياه ثم سأل من أهل العلم من تبرأ الذمة بتقليده إنه لا يجوز له أن يسأل عن حكم شرعي ويقال له: يجب عليك كذا، أو يحرم عليك كذا، أو يلزمك كذا، ثم يقول: إن هذه فتوى والفتوى من غير إلزام، نقول: لا فيها إلزام من الله -جل وعلا-، لكن ما في أحد يتتبعك ويلزمك بما أفتيت به، بينما القضاء فيه إلزام؛ لأن فيه أكثر من طرف، والحق فيه لآدمي فتلزم بنتيجة القضية، أو يلزم خصمك إن كان الحق لك، بينما الفتوى في أمور الديانة في أبواب الدين، لكن ليس هناك من يتتبعك؛ لأنها في الغالب بينك وبين ربك، لكن لا يسعك أن إذا سمعت الفتوى ممن تبرأ الذمة به، وأفتاك بما يلزمك فعله، أو يلزمك تركه، أن تقول: أنا بالخيار هذه فتوى، لا، لكن المراد بالإلزام وعدم الإلزام هنا أنه في القضاء والخصومات أطراف متنازعة، فإما أن يكون الحق لك، وحينئذٍ يلزم خصمك، أو يكون الحق عليك فتلزم حينئذٍ بأداء هذا الحق، لكن لو أفتي شخص فقيل له: عليك كفارة، ما في من يتابعك ويلزمك بإخراج هذه الكفارة، لكنك إن لم تخرجها فأنت آثم، فأنت ملزم من قبل الرب -جل وعلا-، وهذا فرق بين الأمرين، هناك أمور يعتريها أو يتجاذبها وينتابها الأمران، طلق امرأته فذهب يسأل هذا الطلاق واقع أو غير واقع؟ لفظ بالطلاق، يسأل من أهل العلم، يستفتي هل يقع أو لا يقع؟ فيشرح ما وقع بالتفصيل، فيقول له: الطلاق وقع، أو يقول: الطلاق لم يقع، إن تدخلت المرأة أو ولي أمرها في ذلك فهي خصومة فيها إلزام، وإن جاء يستفتي فالمسألة بينه وبين ربه، يلزمه شرعاً أن يعمل بما أفتي به كسائر الفتاوى، لكن إذا لفظ بالطلاق قال لزوجته: أنت طالق، وفي نيته أن يقول لها: أنت طاهر، فسبق لسانه لم يقصد بذلك الطلاق، وإنما سبق لسانه إلى اللفظ الصريح الذي لا يحتاج إلى نية أو كناية، هذا إن وقعت فيه الخصومة بينه وبين زوجته يلزم، ويقع طلاقه؛ لأن هذا لفظ صريح لا يحتاج إلى نية، وإن لم تقع الخصومة فيدين، إذا لم ينو الطلاق سبق لسانه، أو قال أو عهدها مربوطة فقال: أنت طالق يعني من وثاق، والقرينة تدل على ذلك، فهذه الأمور قد ينتابها الأمران الفتوى والقضاء، وهناك أمور خاصة في الخصومات والأقضية، وهناك أمور في العبادات محلها الفتوى، سبق في كتاب الصلاة: ((ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا)) ورواية الأكثر: ((فأتموا)) فهل ما يدركه المصلي مع الإمام أول صلاته، وما يفوته هو آخر صلاته أو العكس بناء على الروايتين؟ وهنا نحتاج إلى معرفة معنى القضاء، من يقول: إن المراد بالقضاء في رواية: ((فاقضوا)) هو ما يقابل الأداء يقول: إن ما يدركه المصلي مع الإمام هو آخر صلاته، ثم يقضي ما فاته، في مقابل الأداء، وهذه رواية صحيحة، لكنها محمولة على رواية الأكثر كما تقدم، في قوله: ((وما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)) وعلى هذا كما تقدم المرجح إن ما يدركه المصلي المسبوق مع إمامه هو أول صلاته، وما يصليه بعد سلامه، بعد سلام الإمام هو آخر صلاته، ويكون حينئذٍ القضاء والأداء بمعنى واحد هنا، المراد به إتمام ما فاته.
قال -رحمه الله تعالى-:
"عن بريدة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((القضاة ثلاثة))" قسمة ثلاثية، والفائدة من ذكر العدد الإجمالي قبل التفصيل أنه يعين على الحفظ والاستذكار، يعني لو لم يقل: القضاة ثلاثة فقال: القضاة منهم من هو في النار، ومنهم من هو في الجنة، ما انحصرت القسمة، وقد ينسى بعض الأقسام، لكن إذا قيل: ثلاثة فعددت واحد، اثنين، فلا بد أن تراجع لتعرف الثالث كما جاء في نصوص كثيرة ((اجتنبوا السبع الموبقات)) وغير ذلك من النصوص.
((القضاة ثلاثة)) كأنه قيل: من هم يا رسول الله؟ فقال: ((اثنان في النار، وواحد في الجنة)) هل نستطيع أن نقول: إن ثلث القضاة في الجنة، وثلثيهم في النار من خلال هذا النص؟ هذا تقسيم إجمالي، قد يكون الناجون أكثر، وقد يكونون أقل، حسب الوصف الذي علق عليه الهلاك والنجاة، ويكون في زمان أو في مكان الغالب عليهم الصلاح والاستقامة والعلم فتكون النجاة أغلب، وقد يكون العكس فيكون الهلاك أكثر.
((اثنان في النار وواحد في الجنة)) يعني كما جاء في الحديث: ((يقول الله -جل وعلا- لآدم: أخرج بعث النار، فيقول: يا رب كم؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون)) مثل هذا لا شك أنه من نصوص الترهيب؛ لأن الإنسان لا يضمن لنفسه السلامة، وإن قلنا: إن هذه القسمة لا تدل على أن النجاة أغلب أو الهلاك أغلب، إنما على الإنسان أن ينظر في هذه الأوصاف التي علق عليها النجاة وعلق عليها الهلاك؛ لأنه في الحديث أيضاً قال..، في الحديث ما يدل على أن أكثر أهل النار من يأجوج ومأجوج، وهذا أيضاً لا يجعل الإنسان يأمن من مكر الله، ويقول: يأجوج ومأجوج عددهم كبير جداً، والكفار أيضاً ملئوا المشارق والمغارب ونسبتنا بالنسبة إليهم يسيرة، فيأمن من مكر الله، على المسلم أن يكون خائفاً راجياً، وعلى كل حال النص الذي بين أيدينا ينظر فيه إلى الأوصاف، وكل قاض بحسبه، ما يقال: الآن عدد القضاة يعني عندنا على سبيل المثال ألف، منهم ستمائة وكسور هاذولا في النار هذا الكلام ليس صحيح، وإن جاء في الحديث الحصر: ((اثنان في النار وواحد في الجنة)) فالحصر حصر أوصاف لا حصر أشخاص ((اثنان في النار وواحد في الجنة)) على كل حال هذا فيه شيء من التخويف والترهيب لمن وَلي القضاء، أو وُلي القضاء ((اثنان في النار وواحد في الجنة)) كأنه قيل: من هم؟ فصّل، من هم يا رسول الله؟ عرفنا العدد الإجمالي، وعرفنا شيئاً من التفصيل، لكن لا يكفي هذا التفصيل، رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، لا بد أن يعرف الحق، وتتوافر فيه شروط الصلاحية للقضاء، وأن يقضي به، لا بد أن يتوافر فيه أمران، العلم الذي يؤهله ويمكنه من النظر في القضايا على المقتضى الشرعي، ولا بد أن يقضي على ما يؤديه إليه علمه واجتهاده المعتمد على النصوص، فإذا تخلف أحد الشرطين، أحد شرطي النجاة فهو في النار، لا بد أن يكون عالماً، وأن يحكم بالحق، إن لم يكن عالماً فهو في النار ولو أصاب الحق، فإن كان جاهلاً لا تتوافر فيه الشروط، شروط الصلاحية للقضاء، الأمر الثاني: إن لم يحكم بالحق فهو في النار، ولو كان عالماً.
قال: ((رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة)) عرف الحق فقضى به ((ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار في الحكم فهو في النار)) عرف الحق عنده علم تتوافر فيه الأهلية للقضاء لكنه لا يقضي بالحق، هذا في النار -نسأل الله السلامة والعافية- ((ورجل لم يعرف الحق)) جاهل ((فقضى للناس على جهل فهو في النار)) الحد الذي يعرف به أن هذا الشخص يصلح وتتوفر فيه الأهلية للقضاء، أو لا يصلح وهو في هذا الباب كغيره من الأبواب، هل يصلح للإمامة أو لا يصلح؟ هل يصلح للفتوى أو لا يصلح؟ هل يصلح لأي عمل؟ لا بد فيه من أن يستفيض أمره بين أقرانه ومعارفه أنه من أهل العلم، وهل يكفي أن يؤنس من نفسه الصلاحية واكتمال الشروط؟ أولاً: بالنسبة للظروف والأحوال والبلدان تختلف، والأزمان أيضاً تختلف فما يشترط في بلد يكثر فيه العلماء قد يتساهل في بعض الشروط بالنسبة لبلد آخر دون البلد الأول في كثرة أهل العلم وتيسر أسبابه، الآن خريجو الكليات الشرعية الذين منهم ينتقى القضاة، هل مجرد حصوله على شهادة كلية شرعية يكفي في أن يكون مؤهلاً للقضاء، هذه أمارة وعلامة أنه درس هذه المقررات وهذه الكتب التي بعض من درسها يصلح لأن يكون أهلاً للفتوى وأهلاً للقضاء، وبعضهم أقل مستوى، وبعضهم مستواه رديء لا يصلح لا لهذا ولا لهذا، فلا بد أن تكون له عناية بالعلم الشرعي، الذي يؤهله للقضاء وللفتيا، كان العلماء يعرفون طلابهم من قرب ويرشحونهم إلى أن جاءت الدراسات النظامية والعلماء هم الذين يرشحون من يصلح للقضاء وللفتيا في الجهات والنواحي، وكان العلماء في السابق هم القضاة وهم المفتون، لكن لا بد من تعدد القضاة، وتعدد المفتين نظراً لكثرة الأقطار والأقاليم فتجد هذا العالم يرشح من طلابه من يصلح للقضاء ومن يصلح للفتيا ومن يصلح للتعليم، ومن يصلح لإدارة أمور الناس العامة وهكذا، الآن يحضر للكليات أعداد هائلة ويتخرجون، وكثير ممن درسهم لا يعرف من أحوالهم إلا القليل، لكن هذه الشهادات صارت قرائن يستدل بها على تحصيل شيء من العلم من خلال ما قرئ في هذه الكليات من علوم، ولا يعني أن هذا الطالب تخرج في كلية شرعية أنه يصلح للقضاء أو يصلح للإفتاء، لكنه في الجملة عنده شيء من العلم، فإن كانت له عناية بالعلم الشرعي، بالوحيين، وما يعين على فهم نصوص الوحيين، وعرف بذلك، واستفاض أمره بين شيوخه وأقرانه وزملائه، هذا تكونت لديه الأهلية، وإلا فكثير من الخريجين مستواهم دون المطلوب، والقضاء مزلة قدم، وكذلك الفتوى لأنها توقيع عن الله -جل وعلا-، بعضهم يقول: إن القضاء أمره أشد من الفتوى؛ لأن القضاء فيه إلزام وجاءت فيه النصوص، نعم جاءت فيه النصوص التي تحذر وتخوف من الدخول في مزلة القدم هذه، نعم الفتوى أيضاً جاء فيها ما هو نظيره أو أشد، فمن عظائم الأمور القول على الله بلا علم {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ}
[(60) سورة الزمر] يعني لا يقول: أنا أهرب من القضاء، وأتولى الفتوى، كلاهما مزلة قدم، يعني التعليم الذي هو خيار ثالث بالنسبة لطلاب العلم باعتبار أن المعلم لديه فرصة أن يقرأ ما يريد شرحه قبل الحضور، ويراجع في المسائل التي يريد تقريرها، أمره أخف، لكنه بمثابة القاضي بالنسبة للعدل بين الطلاب والتعامل معهم بالسوية وإعطائهم حقوقهم، هو بمثابة القاضي من هذه الحيثية، تجد بعض الناس يتساهل في بعض الولايات ويقول: الحمد لله إحنا ما علينا تبعات، لا إحنا قضاة ولا مفتين، عليك تبعات، وليت هذا الأمر للمسلمين وائتمنت عليه، فلا بد أن تبرأ من عهدته بيقين، وكم من واحد ممن دخل في هذه الولايات التي يظن أن أمرها يسير والنتيجة أنه يأكل حرام، لا يؤدي ما أؤتمن عليه كما يجب، لا يوفي حق من ولي عليهم كما ينبغي، هذه النصوص التي جاءت في القضاء، والتي جاءت في القول على الله بلا علم شديدة جداً، لكن أيضاً المرافق الأخرى هي ولايات وتدخل في ((نعم المرضعة، وبئست الفاطمة)) على ما سيأتي.
((رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق ولم يقض به وجار في حكمه فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار)) القسمة كما في الحديث ثلاثية، ألا يمكن أن تزاد هذه القسمة برابع، رجل عرف الحق قضى به أو لم يقض به، هذان اثنان، ورجل جهل الحق قضى بالحق أو قضى بالجهل، يعني وافق الحق أو خالف، يمكن أن يوافق على قسمة رباعية؟ أو نقول: إن الجاهل قسم واحد سواء وافق أو خالف؟ فموافقته لا تعفيه من الإثم؛ لأن بعض الناس يُسأل عن مسألة فلا يتورع فيفتي بغير علم، ثم بعد ذلك يذهب إلى المراجع فيبحث في هذه المسألة، فإذا وجد أنه أصاب الحق فرح فرحاً شديداً، وظن أنه برئ من العهدة، نقول: لا يبرأ من العهدة، هذا حاصل، يُسأل عن مسألة فتجده يجيب فوراً من غير علم مجاملة لمن سأله، أو يخشى أن يقال: ليس عنده علم فلا يتورع، وهذا حال كثير من طلاب العلم، ثم إذا انتهى من الجواب ندم، ولات ساعة مندم، نعم الندم توبة، لكن لا يعفيه هذا من أن يرتكب مثل هذا الأمر، يذهب للمراجع فإذا وجد قوله وافق القول الراجح ظن أنه برئ من العهدة، لم يبرأ...، هو مؤاخذ على فتواه بغير علم، سواء وافق الحق وطابق القول الراجح أو لم يطابق، وهنا نقول: ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار نسأل الله العافية، يعني سواء طابق أو لم يطابق، طابق الحق أو لم يطابق، في حديث في الصحيحين وغيرهما: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً من صدور الرجال، وإنما يقبضه بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالماً أتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)) حينما ينزع، أو يقبض العلماء يحتاج الناس إلى بعض من عنده شيء من العلم، ولو لم تتوافر فيه جميع الشروط، يعني لو لم نجد في البلد بحثنا نحتاج إلى قاضي، نحتاج إلى مفتي، فوجدنا أمثل من في البلد لا تتوافر فيه جميع الشروط، يُترك الناس بدون فتوى وبدون قضاء؟ أو نقول: يأثم الناس كلهم حيث لم يتأهل فيهم من يقوم بهذا الواجب؟ لأن القضاء والفتوى من فروض الكفايات لا بد أن يقوم به من يكفي، وعلى ولي الأمر أن يبذل جهده في تهيئة الأكفاء للفتوى والقضاء، وجميع أمور الناس، وما يهمهم، ويحتاجون إليه، هذه من أوجب الواجبات عليه، لكن افتُتح بلد من بلدان الكفر فاحتيج إلى قاضٍ يؤتى به من بلد آخر ليقضي بينهم، كما أرسل النبي -عليه الصلاة والسلام- علياً، وأرسل أبا موسى، وأرسل معاذ، وأرسل... إلى الجهاد، يفتون الناس، ويقضون بينهم، في بلد من بلدان المسلمين ناءٍ، والعلم فيه عزيز، والغربة فيه مستحكمة، وإن كانوا في الأصل مسلمين، يعني جاءنا من الأقطار ومن الآفاق من هو مفتٍ، أو نائب مفتٍ، تجد أولويات العلوم يفتقدونها، لكن هم أمثل القوم بالنسبة لقومهم، فينظر في هذا الأمثل فالأمثل، إذا كانت الذمة تبرأ بمن دونه بمن دون الأمثل تجوز ولاية المفضول مع وجود الفاضل، هذا ما في إشكال، لكن إذا كان هذا الدون لا يكفي تعيّن على الأمثل أن يقضي بين الناس، وأن يفتي الناس، هذا الأمثل الذي يؤنس من نفسه الأهلية للفتوى والقضاء يتعين عليه ويأثم إذا رفض، لكن إذا لم يطلب منه، ويرى أن هذا الشخص الذي اتجهت إليه الأنظار لا تبرأ الذمة به، هل عليه أن يطلب؟ وليس له أن يرفض إذا طلب، لا يجوز له أن يتخلف، لكن إذا لم يُطلب ويعرف هذا الشخص الذي اتجهت إليه الأنظار لا تبرأ الذمة به، ويحصل بسبب توليه الفتوى أو القضاء الضلال والإضلال، بعضهم يقول: يتعين عليه أن يخبر عن نفسه، ولا تبرأ ذمته بمجرد السكوت، ولا يمكن أن تطلب السلامة بمثل هذا، هذا قاله جمع من أهل العلم، بل عليه أن يعرض نفسه أو يُعرض، ومن هذا قول يوسف {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ}
[(55) سورة يوسف] وإلا فالأصل أن الإنسان لا يعرض نفسه لهذه الأمور، لكن إن طُلب منه ولا يوجد بل تعين عليه لا يوجد غيره ممن يقوم بهذا الأمر وتعين عليه لا يجوز له أن يتخلف، الآن النصوص التي جاءت في هذا الباب من التحذير من الدخول في الولايات ((يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة)) ((القضاة ثلاثة)) و((من تولى القضاء فقد ذبح بغير سكين)) وغير ذلك من النصوص، هذه النصوص لا شك أن فيها التحذير من القضاء، فإذا تعين على الإنسان فلا يجوز أن يتخلف، ومن باب ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) قد يتورع الإنسان عن القضاء، وقد فعله كثير من السلف، طُلب مالك للقضاء رفض، طلب أبو حنيفة للقضاء فرفض وضرب وحبس، وجمع من السلف اختفوا هربوا لما طلبوا للقضاء، هذا ما يفعله الإنسان بالنسبة لنفسه، لكن لو استشاره شخص، وقال: عُرض علي القضاء، أو اخترت للقضاء كما يفعلون الآن ماذا يقول؟ هل يقول: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) وأنا لا أريد الدخول ولا أحبه لنفسي فلا أنصحك، يقول لكل من استشاره: لا أنصحك بالقضاء؟ يعني من باب: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) أو يقول: توكل على الله وأقبل وإذا لم تقبل من أين يؤتى لنا بالقضاة؟ كيف يعطل هذا الأمر، وهذا المرفق العظيم؟ وهل هذا يخالف الحديث؟ المشورة تنبني على صلاحية المستشير وعدم صلاحيته، فإن كان صالحاً للقضاء فالمصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة فيشار عليه بأن يقبل، وإن كان غير صالح فيشار عليه أن لا يقبل؛ لأن مثل هذا يعتريه ما يعتريه، لو جاءك شخص يستشيرك قال: إنه اختير للقضاء فهل تشير عليه بما تحب لنفسك من السلامة والعافية التي لا يعدلها شيء؟ أو تقول: أقبل القضاء، وإذا لم تقبل أنت والثاني والثالث من زملائك ونظرائك فمن أين يؤتى للمسلمين بمن يحل مشاكلهم وخصوماتهم؟ نقول: المصلحة العامة مقدمة على الخاصة، وأنت حينئذٍ لم تخالف الحديث ((حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) لأنك قدمت، نعم ارتكبت ما ارتكبت من شيء من المخالفة، لكنه في سبيل تحصيل مصلحة عليا، وارتكبت ضرراً لكنه في مقابل ضرر أعظم منه، ارتكاب أخف الضررين أمر مقرر في الشرع، وطلب أعلى المصلحتين أمر مقرر أيضاً، فالمصالح العامة مقدمة على الخاصة.
متى يتأهل الشخص في القضاء؟ يتأهل إذا عرف من نصوص الكتاب والسنة ما يحتاجه في هذا الباب، وعرف كيف يتعامل مع نصوص الكتاب والسنة عند التعارض؟ فلا بد من معرفة نصوص الوحيين اللازمة في هذا الباب، ومنهم من يشترط الاجتهاد المطلق في جميع أبواب الدين، لكن لو قيل بهذا لتعذر الحصول على العدد الكافي من القضاة، لكن اجتهاد في بابه وواقع الأمة يشهد بذلك، فالقضاة على مر العصور فيهم المجتهد المطلق، فيهم من علمه شمولي لجميع أبواب الدين، وفيهم من يحسن التعامل مع الخصوم في هذا الباب، ويقضي بينهم، بحكم الله -جل وعلا- على حسب اجتهاد سواء أصاب أو أخطأ بالمقدمات الشرعية المعروفة التي تترتب عليها نتائجها الشرعية، وإن كان في كثير من أبواب الدين مستواه أقل، إذا عرف علم الكتاب وعلم السنة، أو عَلَم من كتاب الله ما يحتاج إليه، وعلم من سنته ما يحتاج إليه، وعرف كيف يتعامل؟ وعرف من اللغة وعلوم الآلة ما يعينه على فهم الكتاب والسنة، وعرف كيف يقايس الأمور كما في كتاب عمر -رضي الله عنه- لأبي موسى الأشعري، وهو كتاب عظيم في هذا الباب، على كل طالب علم أن ينظر فيه، وأن ينظر في شرحه، الإمام ابن القيم -رحمه الله- في إعلام الموقعين أطال وأفاض في شرح هذا الكتاب، يستفيد، يفيد منه القضاة فوائد عظمى، هذا الكتاب المشروح في إعلام الموقعين فيما يقارب مجلدين من الكتاب، نصف الكتاب في شرح كتاب أبي موسى، كتاب عمر لأبي موسى في القضاء، وصار عنده شيء من النباهة، ومعرفة بعض الحيل التي يرتكبها بعض الناس لكسب القضايا؛ لأن الناس أحدثوا ما أحدثوا من الحيل فلا بد من أن يكون القاضي على دراية منها، لا يؤتى بشخص ولو كان من أحفظ الناس للنصوص، ومن أعلمهم، يؤتى بشخص عنده شيء من الغفلة، ولا يدري ما يدور حوله، فينصب لفض الخصومات بين الناس، بل لا بد من أن يكون نبيهاً حذراً مما يحدثه الخصوم، وكل زمان له وسائله وطرقه، ولذا احتيج في الأزمان المتأخرة إلى وجود المحامين، ويدل على ذلك الحديث اللاحق: ((إنما أنا بشر أقضي على نحو ما أسمع، وقد يكون بعضكم ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بشيء من حق أخيه))... إلى آخر الحديث على ما سيأتي، بعضهم يحسن عرض القضية أكثر من غيره، وحينئذٍ يحكم له، ولو كان غير محق، فالقاضي لا بد أن يكون نبيهاً يعرف ما يحدثه الناس من الحيل، ويعرف ما يدور حوله مما يرتكبه الناس، يعرف أيضاً شيء من اللغة، ويعرف أيضاً أقاويل الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة؛ لئلا يقضي بما يخالفهم، وينظر في الكتب التي تعينه على ذلك.
ثم قال -رحمه الله-:
"وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ومن ولي القضاء، أو ولّي القضاء فقد ذبح بغير سكين))" ولي وولّي كلاهما مؤداه واحد، من ولّي فقد تولى "((القضاء فقد ذبح بغير سكين)) رواه أحمد والأربعة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان" هذا أيضاً فيه تحذير؛ لأنه بمثابة القتل له، بمثابة الذبح له، وفري الأوداج، فالأمر جد خطير إذا كان بمثابة القتل، كما جاء في الحديث الآخر: ((لعن المؤمن كقتله)) وهذا الذي تولي أو ولّي القضاء حصل له هذا الأمر وهو الذبح؛ لأنه إن كان أهلاً لذلك فالتبعات عليه عظيمة في تحري الحق، وهو أمر شاق يترتب عليه في الدنيا أن يخسر نصف الناس.

إن نصف الناس أعداء لمن *** ولي القضاء هذا إن عدل

وهذا ليس بالأمر السهل على النفس، وإن كان جاهلاً ليس بأهل ولا كفؤ فخسارته أعظم؛ لأن الأول إن كان ثم خسارة فهي في الدنيا، وخسارة الثاني في الآخرة، نسأل الله السلامة والعافية.
((ذبح بغير سكين)) يعني ما يحتاج إلى أن يذبح بما يفري الأوداج، وينهر الدم، هو مذبوح على كل حال، لكن لا يلزم منه أنه يموت موتاً حسياً، وإنما هو قضاء عليه بالهلاك المعنوي، وقد يكون في بعض صوره أشد من الهلاك الحسي، الهلاك المعنوي في بعض الأحوال أشد من الهلاك الحسي، ويقرر أهل العلم يعني من باب التنظير أن مسخ القلب أعظم من مسخ البدن؛ لأن مسخ البدن قد تكون عقوبة جوزي عليها في الدنيا، وكفرت به سيئاته التي أرتكبها، لكن مسخ القلب -نسأل الله السلامة والعافية-! فالذي جزاءه في الآخرة أعظم وأشد، نقول: هنا حكم عليه بالهلاك، فمن هلك في الدنيا هلك هلاكاً حسياً كما جاء في "هلك ماعز" ومع ذلك...، وذاك الرجل الذي جامع في رمضان قال: هلكت يا رسول الله، وماعز رجم فهلك هلاكاً حسياً، وانتهى من تبعة الذنب، لكن الذي حكم عليه بالنار، واستمر على ذلك لم يحصل منه توبة، ولم يحدث أوبة إلى أن لقي الله -جل وعلا- وهو من أهل النار، نسأل الله السلامة والعافية، هنا يقول: ((من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين)) منهم من يقول: إن هذا الذبح أشد من الذبح بالسكين لأن السكين تريح وهذا الذبح لا يريح، ومنهم من يقول: وهذا نسبوه إلى بعض من تولى القضاء فهو يهون من شأن هذا التحذير، وهذا الترهيب في هذا الحديث، يقول: ذبح ذبحاً لا يصل إلى حد الذبح بالسكين، فأمره أسهل؛ لأن غاية الذبح أن يكون بفري الأوداج وهذا بالسكين وهذا دونه، وعلى كل حال اللفظ غير مراد، وإنما المراد به الهلاك، أنه في الغالب أنه هالك، كما تقدم من أن القضاة ثلاثة، الناجي منهم واحد، والهالك اثنان.
قال -رحمه الله-:
"وعنه -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" عنه يعني عن أبي هريرة صحابي الحديث السابق "قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إنكم ستحرصون على الإمارة))" في عهد السلف صدر هذه الأمة كان الأمير يسمى عامل، وكان عاملاً لأبي بكر، عاملاً لعمر، لماذا؟ لأنها كلفة، هي مجرد تكليف، وليست بتشريف، لكن بعد ذلك بعد عهد السلف صار الأمر مع ما فيه من تكليف صار فيه شيء من التشريف، صار فيه شيء من الكسب، يعني لما ولي أبو بكر -رضي الله عنه- وبويع كان تاجراً يتعاطى التجارة، ويأكل من كسب يده، لما تولى الخلافة انقطع عن التجارة، ففرض له الصحابة أهل الحل والعقد منهم نصف شاة في اليوم، هذه أجرته له ولأهله بدل ما يتكسب، لكن هل تكفي أو أضعاف أضعاف هذا المقدار بعد ذلك حينما حرص الناس على الإمارة لأنهم يرون فيها الشرف والمال، وهذان مهلكان، وجاء في ذلك حديث: ((ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأضر لها من حب الشرف والمال بالمسلم)) .... الشرف يحبون المال ((ستحرصون على الإمارة)) لماذا؟ لأن فيها الشرف، وفيها الرئاسة، وفيها الأمر والنهي، وفيها التسلط إذا وجد معها شيء من الظلم، وفيها المال ((إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة)) لأن الذي يؤدي ما أوجب الله عليه في هذا الباب قليل، والتبعة عظيمة، ومسئولية كبيرة أمام الله -جل وعلا-، وهو مسئول عن رعيته، ويجب عليه أن يتحسس أحوالهم، ويتتبع أخبارهم، فيرفع الظلم عن المظلومين، ويرفع الحاجة عن المحتاجين، وستكون ندامة يوم القيامة، والسلامة لا يعدلها شيء، ((فنعم المرضعة)) نعم ما دام حياً، ويرتضع من أموال بيت المال نعم المرضعة، مال ليس فيه تعب ولا كلفة ((وبئست الفاطمة)) يعني الفطام عند الموت إذا انقطعت إفادته من هذا المال الذي يأخذه بغير حقه بئست الفاطمة.
نعم المرضعة، الدنيا وما يتعلق بها من زخرفها، وبئست الفاطمة، وذُكر فعل المدح، وأنث فعل الذم، وما يعود عليه الضمير واحد؛ لأنه مؤنث غير حقيقي، يجوز تأنيث الفعل له، ويجوز تذكيره، حينما يقولون: إذا كان المؤنث غير حقيقي تقول: طلع الشمس وطلعت الشمس، لكن إذا قلت: الشمس طلعت إذا كان الفاعل ضمير يعود إلى مؤنث سواء كان حقيقي أو مجازي على ما يقولون: يجب تأنيث الفعل له، وهنا الفاعل في الموضعين غير مذكور، فهل نقول: إنه في حكم ما تقدم ذكره فيجب التأنيث، أو نقول: هو في حكم المذكور فيجوز التأنيث والتذكير؟ ننتبه لأنهم يقولون: يجب تأنيث الفعل إذا كان الفاعل ضمير يعود إلى مؤنث مطلقاً سواء كان حقيقاً أو مجازياً، يجب تأنيث الفعل، فاطمة قامت، والشمس طلعت يجب؛ لأن الفعل ضمير يعود إلى مؤنث، بينما إذا قلت: طلعت الشمس أو طلع الشمس يجوز إذا كان المؤنث حقيقي، وفصل بينه وبين الفعل يجوز، ومن باب الندرة والشذوذ حكى سيبويه: قال فلانة، لكن الذي معنا من أي النوعين؟ هل نقول: إنه ضمير يعود إلى مؤنث فيجب التأنيث، أو نقول: إنه في حكم المذكور لأنه لم يتقدم له ذكر؟ يعني {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ}
[(32) سورة ص] الشمس تقدم لها ذكر أو ما تقدم؟ ما تقدم لها، فهي في حكم المذكور للعلم بها، بحيث لا يمكن أن يسأل أحد، يقول: ما هي التي توارت بالحجاب؟ وهنا ((فنعم المرضعة، وبئست الفاطمة)) بناء على أنه في حكم المذكور فذكر مرة وأنث أخرى؛ لأنه لو كان مذكوراً حقيقة لكان هذا حكمه، يجوز التأنيث ويجوز التذكير.
قال -رحمه الله-:
"وعن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر))" الاجتهاد لا بد له، أو لا بد منه، في الحالين لا بد أن يجتهد، فيبذل جهده ويستفرغ وسعه؛ ليكون له في النهاية أجران مع الإصابة، أو أجر واحد مع الخطأ ((إذا حكم الحاكم)) القاضي، والأصل أن الحاكم الإمام الأعظم هو القاضي هو الذي يقضي بين الناس، لكن لما كثرت الأقاليم والنواحي، وازداد حاجة الناس إلى القضاة تعدد القضاة، فصار الحاكم والسلطان ينيب عنه من يقضي بين الناس، فإذا أجتهد هذا الحاكم سواء كان الأصل أو النائب فاجتهد، فالاجتهاد مطلوب في الحالين لا بد من أن يجتهد، ولا بد أن ينظر في القضايا بروية وتؤده، وتفكر في الأمر لا يستعجل، وتكون لديه أهلية على ما تقدم للنظر في القضايا، فإذا حصل هذا وأجتهد، ونظر ما عند المدعي، وما عند المدعى عليه، نظر ما عند المدعي من بينة، ثم نظر في البينة هل هي مما يقوم به الحكم أو لا؟ ثم تقرر عنده قبول البينة، ونظر في كلام المدعى عليه، فيبدأ بالمدعي فيسأله، يقول: أيكما المدعي؟ فإذا قال أحدهما: أنا، قال: ما عندك؟ فيدلي بدعواه ثم ينظر ما عند المدعى عليه، ثم يطلب البينة أو اليمين إن لم تك بينة، بالطريقة والوسيلة الشرعية المعروفة، إذا نظر بالطريقة الشرعية اجتهد بذل وسعه وهو أهل لذلك، أهل لهذا الاجتهاد وأجتهد النتيجة بيد الله -جل وعلا-، وهو يبذل ما عنده، ولا يكلف ما وراء ذلك من إصابة الحق في باطن الأمر، عليه أن يسعى، عليه أن يبذل، عليه أن يجتهد، عليه أن ينظر في القضايا بالطرق الشرعية، وما عدا ذلك النتائج بيد الله -جل وعلا-، وهكذا في جميع الأعمال، على الإنسان أن يبذل وسعه، ويستفرغ جهده في القضاء، في الفتوى، في التعليم، في الدعوة في غيرها، والنتائج بيد الله؛ لأنه يأتي النبي يوم القيامة وليس معه أحد هل نقول: إن هذا ما أجتهد؟ نقول: أجتهد لكن النتيجة بيد الله، يأتي النبي ومعه رجل أو رجلان وهكذا، يعني نقول: هذا فشل في دعوته؟ لا، نجح في دعوته، بذل ما بيده، وليس عليه ما وراء ذلك، الآن الحاكم أجتهد ووفق لإصابة الحق فله أجران، أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وإذا حكم فأجتهد مثل الأول، ثم أخطأ فله أجر، قد يقول قائل: هذا له أجر وهذا له أجران، وقد يكون هذا الذي لم يصب قد بذل من الجهد أكثر ممن أصاب، والنتيجة ليست بيده، فكيف يحرم من هذا الأجر؟ والأمر ليس بيده، كلاهما نظر، وكلاهما أهل، وكلاهم أجتهد، لكن في النهاية هذا أصاب وهذا أخطأ، هذا له أجران وهذا له أجر، نقول: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، هل ظلم الذي أخطأ بخس من حقه شيء، ما بخس من حقه شيء، وترتيب الأجرين على الإصابة يجعل القضاة والحكام يجتهدون لإصابة الحق أكثر مما لو تساوى الأجر مع من لم يصب الحق، إذا رتب الأجر وسوي بين من أصاب ومن لم يصب تجد بعض القضاة مثل ما يقولون: الأجر واحد، فلا يبذل جميع ما يستطيعه من جهد ووسع؛ لأنه لا فرق بين من يصيب ومن لا يصيب، لكن جاء هنا التفريق بينهما، فالمصيب له أجران، والمخطئ له أجر واحد، من أجل أن يزيد القاضي، ويزيد الحاكم فيما يتوصل به إلى الإصابة، وفي النهاية ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، هذا وفق للإصابة، وهذا مع بذله جهده لم يوفق للإصابة فلم يحرم من الأجر، ولا بخس من حقه شيء، يعني يستدل في الحديث، وهذا ظاهر في من يشترط الاجتهاد في الحاكم والقاضي وأرباب الولايات، والاجتهاد في كل باب بحسبه، على ما تقدم، بعضهم يقول وهذا تابع لمسألة كبرى، وهي مسألة الاجتهاد والتقدير، هل يكفي في القاضي أن يكون مقلداً مجتهداً في مذهبه أو لا بد أن يكون مجتهداً في النصوص في الجملة والنظر فيها والموازنة فيها بغض النظر عن مذهب معين؟ منهم من يقول: يكفي أن يكون مجتهد مذهب، وينظر في نصوص إمامه، ويوازن ويتعامل معها مثل ما يتعامل مع النصوص، وهذا مقرر بين أرباب المذاهب، يتعاملون مع نصوص أئمتهم كالتعامل مع النصوص، نصوص الكتاب والسنة، فإذا وجدوا للإمام قولين، أو روايتين قالوا: إن أمكن الجمع بين هاتين الروايتين ولو بحمل مطلق على مقيد، أو عام على خاص تعين المصير إليه، وإلا فإن عرف المتقدم من المتأخر فقوله الآخر، وإلا فالتوقف، يقول هذا بالنسبة لنصوص الأئمة، ويشددون في أمر الاجتهاد في النصوص، ويضيقون على من أراده بشروط وقيود تجعله شبه مستحيل، مع أننا لو نظرنا في حقيقة الأمر لقلنا: إن هذا المجتهد في مذهبه في نصوص إمامه لو أستعمل هذا الاجتهاد في نصوص الكتاب والسنة لكان أيسر عليه، نعم إذا كان مقلد حفظ متن وصار يفتي على ضوء هذا المتن هذا أمره سهل، لكن إذا قلنا: إنه يجب عليه أن ينظر في نصوص إمامه إذا تعارضا على مقتضى النظر في النصوص الشرعية كلفناه بأشد وأكثر مما يكلف فيه من ينظر في النصوص التي هي الحكم عند الاختلاف، ولذا أهل التقليد يتعبون تعباً شديداً في فهم نصوص أئمتهم، مع أن نصوص الكتاب والسنة يعني أمرها أيسر، وهي مخدومة ولله الحمد، هناك التفاسير، هناك الشروح، هناك الكتب التي ألفت لتسهيل التعامل مع النصوص، وكلام الله واضح لمن لديه أدنى سبب للفهم وقدرة على المراجعة، كلام الله وكلام رسوله أوضح من كلام الأئمة بكثير، وما وجدت هذه التعقيدات إلا في كلام البشر، فيجعلون هذا المجتهد المقيد، نعم العامي ومن في حكمه هذا فرضه التقليد، لكن من لديه أهلية النظر في نصوص الأئمة لا شك أن لديه النظر في نصوص الكتاب والسنة، لديه أهلية النظر، ولو اتجهت همته إلى نصوص الكتاب والسنة لسهل عليه الأمر، كثير ممن يؤلف في القضاء يقول: عليه أن يكون مجتهد مذهب، يكفيه هذا أن يكون مجتهد مذهب، لكن اجتهد في مذهب إمامه هل يضمن الإصابة؟ لا يضمن الإصابة، ولا شك أن المردود إليه عند التنازع هو الكتاب والسنة، بل وجد من يحرم الاجتهاد، ويمنع الاجتهاد، ويوجب التقليد، حتى قال: ولا يجوز الخروج عن مذاهب الأئمة الأربعة ولو خالفت الكتاب والسنة وقول الصحابي، قالوا هذا الكلام نسأل الله العافية، والحديث: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد)) يعني اجتهد في الوسائل الشرعية، أجتهد في الوصول إلى الغاية الشرعية، وما عدا ذلك ليس الأمر بيده؛ لأنه إما أن يصيب وإما أن يخطئ وهو مأجور على الحالين.
الشارح الصنعاني ذكر خطاب عمر إلى أبي موسى الأشعري، ذكره في الشرح في مقدار صفحة، ثم قال: ولأمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- في عهد عهده إلى الأشتر لما ولي مصر فيه عدة مصالح وآداب ومواعظ وحكم، وهو معروف في النهج لم أنقله لشهرته، يعني نقل كتاب عمر لأبي موسى، ولم ينقل خطاب علي للأشتر، قال: وهو معروف في النهج، يعني نهج البلاغة، يعني شهرته في تلك النواحي؛ لأن غالب السكان في عهده سكان اليمن من الهادوية زيدية، لهم عناية بما يذكر في النهج، لهم عناية في هذا الكتاب، فلا يخفى عليهم خطاب أو العهد الذي عهده علي -رضي الله عنه- للأشتر، وقد يخفي عليهم ما كتبه عمر -رضي الله عنه- إلى أبي موسى، ولا شك أن البيئات مؤثرة، ولذا قال هنا: ولأمير المؤمنين علي يقول: عليه السلام، والأولى أن يقال كغيره: رضي الله عنه وأرضاه، في عهد عهده إلى الأشتر لما ولي مصر فيه عدة مصالح وآداب ومواعظ وحكم، وهو معروف في النهج، يعني نهج البلاغة، لم أنقله لشهرته، يعني عناية تلك النواحي بعلي أكثر من عنايتهم بعمر؛ لأن غالب السكان هناك في ذلك الوقت هم من الهادوية، وهم من الزيدية، لكن الآن صاروا أقل من غيرهم، صاروا أقل من الشافعية، ومن يعتني بالكتاب والسنة من غير نظر إلى مذهب، يعني أثرت الدعوة السلفية هناك.
ثم قال -رحمه الله-:
"وعن أبي بكرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((لا يحكم أحدكم))" سواء كانت لا نافية، فنقول: لا يحكمُ، أو ناهية نقول: لا يحكمْ أحد، أحد نكرة في سباق النفي أو النهي فهي عامة، تفيد العموم ((بين اثنين وهو غضبان)) لماذا؟ لأن الغضب يحجبه عن النظر الكافي في القضية التي يترتب عليه الحكم الصحيح، النظر لا بد منه في القضية على المقتضى الشرعي، فإذا كان القاضي غضبان فإنه حينئذٍ لا يتمكن من النظر الواجب، وسواء قلنا: إن لا ناهية أو نافية فظاهر الخبر التحريم، وهو الأصل في النهي ما لم يوجد صارف، وجمهور أهل العلم حملوه على الكراهة، ونظيره الصلاة وهو يدافع الأخبثين، وهو حاقن، الجمهور على الكراهة، وحمله الظاهرية على ظاهره بالتحريم، وقالوا: إن الصلاة لا تصح، وهنا قالوا: النهي للتحريم والحكم لا يصح إذا نظر وهو غضبان، الجمهور صرفوا النهي من التحريم إلى الكراهة بالعلة، قالوا: إن النهي عاد إلى أمر خارج عن ذات المنهي عنه فلم يعد النهي إلى ذات المنهي عنه ولا إلى شرطه، ولا جزئه المؤثر كالركن، عاد إلى أمر خارج، فينظر في القضية إن أصاب وإن أخطأ، إن كان حكمه على مقتضى القواعد الشرعية فهو نافذ وإلا ينقض إذا لم يكن على مقتضى النظر الشرعي.
ترجم الإمام البخاري لباب: هل يقضي القاضي أو يفتي المفتي وهو غضبان؟ ونقل النووي عن جماهير أهل العلم أنه للكراهة، وعلى هذا يقضي ويفتي، يقضي وهو غضبان، ويفتي وهو غضبان، وكذلك إذا وجد ما يشوش الذهن من شدة حر أو شدة برد أو جوع، وما أشبه ذلك، فإنه يكره في حقه أن يقضي، منهم من يفرق بينما إذا كان الغضب لله -جل وعلا- وبينما إذا كان الغضب لأمر من أمور الدنيا، فإذا كان غضبه لأمر من أمور الدنيا فإنه يتجه إليه النهي، وإذا كان لله -جل وعلا- فإنه لا يتجه إليه النهي؛ لأن غضبه لله -جل وعلا-، لا يحمله على عدم النظر التام في القضية، والغضب إذا وجد لا شك أنه يغطي العقل بالكلية عند بعض الناس، وعند بعضهم دون ذلك، والغضب متفاوت كما قرر في طلاق الغضبان، لا شك أن الغضب له درجات، والحامل عليه يختلف، والداعي إليه يختلف، كل ما يشوش الفكر ويشغل عن النظر التام في القضايا يدخل في هذا الحديث ((لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان)) والغضب نبه به على ما عداه مما يشوش الذهن، ولا يمكنه من النظر التام في القضايا، يعني مع الأسف وجد أمور يعني هي من بلاوي العصر أنه يوجد قاضٍ في بعض النواحي لا أقول في هذه البلاد في غيرها من البلدان يدخن مثلاً، ويقول: إنه لا يتمكن من النظر في القضايا إلا إذا دخن، هل نقول كما قالوا أفتوا في بلدانهم يعني أنه لا بد أن يدخن، ولا يجوز له أن ينظر في القضايا حتى يدخن، أصلاً مثل هذا ليس بأهل للقضاء، يعني وإن أفتاه من أفتاه بحل الدخان، أو مجرد الكراهية، لكن هذا يمنعه من النظر الصحيح، وهو في الأصل ليس بأهل للقضاء، إن أرادوا به القضاء الشرعي، وإن أرادوا به القضاء المدني على ما يقولون فالأمر يعني أعظم من ذلك، فهل لهذا القول أو لمثل هذا القول حظ من النظر؟ القاضي اعتاد التدخين وإذا أحتاجه لا يتمكن من النظر، ويفعل في أصحابه الأفاعيل، حتى إنه وجد من يبذل عرضه عند عدمه، فالمسألة مشكلاتنا من المقدمات التي هي في الأصل غير شرعية، ونريد أن نبني عليها نتائج شرعية، قاضٍ يدخن تصور، ولا يتمكن من النظر حتى يدخن عدد كافي من السجائر، أصل المقدمة غير شرعية، فكيف نرجو نتيجة شرعية؟! يعني نظيره من يسافر بامرأة أو بنساء من غير محارم، ثم يقول: أنا لا أستطيع أن أقف في منتصف الطريق خشية على هؤلاء النسوة لأداء صلاة الصبح فلا بد أن تؤخر صلاة الصبح خوفاً عليهم، أصل المقدمة غير شرعية فكيف تطلب نتيجة شرعية؟! مثل هذه الأمور لا بد أن تعالج المقدمات قبل النتائج، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.