submit

rss

ميراث الأنبياء

ميراث الأنبياء

الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين،
أما بعد:
فالواضح من عنوان الدرس أن المراد والمقصود به الحديث عن العلم، وأهل العلم وطلب العلم وكتب العلم بدءاً من الوحيين وما يخدمهما، لكن قبل ذلك نبدأ بمقدمة تتعلق بالميراث، وما جاء عن النبي -عليه الصلاة والسلام- وهو أن الأنبياء لا يورثون ((لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر)) هذا المقصود من الدرس هو ما أشير إليه في هذا الحديث، ويرد عليه سؤال نبي الله زكريا -عليه السلام- من قوله: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي.... فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا* يَرِثُنِي}
[(5 - 6) سورة مريم] ما المراد بالإرث هنا؟ هل هو الإرث المشار إليه بقوله -عليه الصلاة والسلام- ((إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة)) فنحتاج إلى التوفيق بين الآية والحديث؟ أو أن المراد به إرث النبوة والعلم على ما قاله جماهير أهل العلم؟ فنذكر ما ذكره البخاري، وما قاله بعض الشراح، وبعض الحديث مما نقلته عن البخاري في صميم الموضوع، وبعضه مما يضطر إليه، ويحتاج إليه طالب العلم، وننقل من كلام أهل العلم ما يبين مراد البخاري -رحمه الله تعالى- ثم ننقل من التفاسير ما قاله أهل العلم في مراد زكريا في قوله: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} [(6) سورة مريم] ثم نختم بكلام حاسم للإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- في (مفتاح دار السعادة) ثم بعد ذلك الكلام الذي تكرر كثيراً عن العلم وأهل العلم، وطلاب العلم، وكتب العلم، وهذا فيه -ولله الحمد- عنا وعن غيرنا أشرطة كثيرة في هذا الموضوع، في كيفية التحصيل، وفي ما يعين عليه، وفي عوائقه.
على كل حال نبدأ بما أشرنا إليه سابقاً.
فبدءاً بكلام الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- لنفاسته ويكون مدخلاً لما نريد.
يقول الإمام البخاري في صحيحه: "باب: العلم قبل القول والعمل"؛ لقول الله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}
[(19) سورة محمد] فبدأ بالعلم، {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [(19) سورة محمد] فبدأ بالعلم، وأن العلماء هم ورثة الأنبياء، هذا الذي نحتاجه من هذه الترجمة، لكن لأهمية ما ذكره في هذه الترجمة وحرصاً على إفادة الطلاب مما ذكره الإمام البخاري -رحمه الله-؛ لأن كثير من طلاب العلم يغفلون عن مثل هذه الفوائد التي في الصحيح في كتاب العلم من صحيح البخاري ما لا يوجد في غيره.
يقول: "باب: العلم قبل القول والعمل"؛ لقول الله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}
[(19) سورة محمد] فبدأ بالعلم، والذي يحفظ الأصول الثلاثة يعرف هذا الكلام {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} [(19) سورة محمد] قال الإمام: فبدأ بالعلم، وبعض نسخ الأصول الثلاثة يقول: فبدأ بالعلم قبل القول والعمل، قبل القول والعمل هذا في الترجمة ليس في ثنايا الكلام، وإنما الذي في ثناياه قوله: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [(19) سورة محمد] فبدأ بالعلم، وأن العلماء هم ورثة الأنبياء، ورثوا العلم، ورثوا العلم من أخذه أخذ بحظ وافر، ومن سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وقال جل ذكره: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [(28) سورة فاطر]، وقال: {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [(43) سورة العنكبوت]، وقال: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [(9) سورة الزمر].
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما العلم بالتعلم)) وقال ابن عباس -رضي الله عنهما- {كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ}
[(79) سورة آل عمران] "حلماء فقهاء" ويقال: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره.
هذه الترجمة، وهذه الأخبار، وهذه الآيات والأحاديث التي أوردها الإمام البخاري بمجموعها هي من صميم درسنا اليوم، لكن العنوان -عنوان الدرس- يخصه قوله: ((وأن العلماء هم ورثة الأنبياء)) يقول ابن حجر: قوله: "باب: العلم قبل القول والعمل" قال ابن المنير -وهذا له كتاب في تراجم البخاري، شرح تراجم البخاري ناصر الدين ابن المنير، له كتاب اسمه: (المتواري في شرح تراجم البخاري) وهو كتاب مختصر يستفيد منه طالب العلم.
يقول ابن المنير..، وزين الدين ابن المنير له حاشية على البخاري، ناصر الدين بن المنير له تراجم البخاري، يقول ابن المنير -رحمه الله-: أراد به أن العلم شرط في صحة القول والعمل، العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، لا يعتبران إلا بالعلم، فهو متقدم عليهما، مصحح للنية المصححة للعمل، يرى أن النية المشترطة لصحة العمل لا تكون إلا بالعلم؛ لأن من شرط صحة العمل العلم به، فإذا كنت جاهلاً به غير متصور له فإنك لا تستطيع أن تؤديه على الوجه الشرعي، وحصر القصد بتصحيح النية لا يكفي؛ لأنه مصحح للنية مسدد للاقتداء؛ لأن من شرط صحة العمل الشرعي أن يكون خالصاً لوجه الله تعالى، صواباً على سنة رسوله -عليه الصلاة والسلام-، فالذي يجهل هذا العلم لا يستطيع أن يقصده بالتحديد؛ لأنه جاهل به، فكيف يقصد ما يجهل؟ والذي لا يعلم ما يريد أن يفعل لا يستطيع أن يفعله على مراد الله -جل وعلا-، ومراد رسوله -عليه الصلاة والسلام-، الذي لا يعرف أحكام الصلاة لا يستطيع أن يصلي، كما رأى النبي -عليه الصلاة والسلام- يصلي، أمر النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يصلي المسلم كصلاته، ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) هذا بالنسبة للذي رآه من الصحابة، وأما من بعدهم فكما شرح لهم من بيان صلاته -عليه الصلاة والسلام-، فيما نقل عنه، وصح من سنته -عليه الصلاة والسلام-، فالذي لا يعلم لا يحدد القصد والنية بدقة مما يريد فعله، كما أنه أيضاً لا يستطيع أن يؤدي ما أمر به على الوجه الشرعي المطلوب، فيتخلف حينئذٍ الشرطان، إما تخلفاً كلياً مع الجهل المطبق، أو جزئياً فيما يجهله دون ما يعلمه، عوام المسلمين عندهم جهل بأحكام الصلاة، لكن يعرفون صورتها الظاهرة؛ لأن صورة الصلاة متلقاة بالعمل والتوارث من لدن النبوة إلى يومنا هذا، والناس يصلون على مدى أربعة عشر قرناً، يرى بعضهم أباه ويرى أخاه، ويرى الناس في المسجد يصلون، ولذا شرعت النوافل في البيوت من أجل أن يراها النساء والصبيان فيصلون كما يصلي هذا الأب الذي صلى في المسجد واقتدى بإمام المسجد فيعلمون الصورة الظاهرة، ويبقى دقائق الأحكام لا يعرفها إلا أهل العلم، والذي لا يعرف هذه الدقائق لا يمكن أن يأتي بالصلاة على الوجه المطابق لصلاته -عليه الصلاة والسلام-، المأمور به في قوله: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
يقول ابن المنير: فنبه المصنف على ذلك حتى لا يسبق إلى الذهن من قولهم: "إن العلم لا ينفع إلا بالعمل"، "إن العلم لا ينفع إلا بالعمل"؛ لأن هذا مستفيض على ألسنة أهل العلم، أن الثمرة من العلم هي العمل، كالثمرة من الشجرة هي المقصودة منه، حتى لا يسبق إلى الذهن من قولهم: "إن العلم لا ينفع إلا بالعمل" تهوين أمر العلم والتساهل في طلبه.
يعني كثير من الناس إذا سمع أن العلم لا قيمة له بدون عمل يقول: إذاً لا داعي لئن أتعلم، وأنا أرى كثيراً ممن تعلم لا يعمل بعلمه، نقول: العلم مطلوب ومرغب فيه، ويجب وجوباً عينياً على بعض الناس، وكفائياً على عموم الناس، ويستحب بالنسبة لسائر الناس، هذا بالنسبة للعلم، والعمل مطلوب أيضاً، والعمل مطلوب أيضاً، لكن العلم متقدم على العمل، كما ترجم الإمام البخاري -رحمه الله-: "باب: العلم قبل القول والعمل".
يقول ابن حجر -رحمه الله-: قوله: فبدأ بالعلم، أي حيث قال: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}
[(19) سورة محمد] ثم قال: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} [(19) سورة محمد] والخطاب وإن كان للنبي -صلى الله عليه وسلم- فهو متناول لأمته؛ لأن الأصل أنه هو القدوة وهو الأسوة.
واستدل سفيان بن عيينة بهذه الآية على فضل العلم حيث قال: ألم تسمع أنه بدأ به فقال: "اعلم" ثم أمره بالعمل؟
((وأن العلماء هم ورثة الأنبياء، ورثوا العلم من أخذه أخذ بحظ وافر)) هذا طرف من حديث مخرج عند أبي داود والترمذي والحاكم، مصححاً من حديث أبي الدرداء وحسنه حمزة الكناني، وضعف بالاضطراب، لكن له شواهد يتقوى بها، له شواهد يتقوى بها، وشاهده من كتاب الله قول الله -جل وعلا-: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}
[(32) سورة فاطر] {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ} [(32) سورة فاطر] الإنسان قد يرث من أبيه القرآن لكن قد يرثه حساً، وقد يرثه معنىً، قد يرثه حساً بأن يترك له مصحف، وقد يرثه معنىً بأن يكون الأب حافظاً لكتاب الله محفظاً لابنه كتاب الله -جل وعلا-، {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} [(32) سورة فاطر] والمراد بذلك الميراث المعنوي الحسي الأهم؛ لأن الإنسان قد يرث مصحف لكن لا يقرأ فيه ولا ينتفع به، وجاء من الأمور التي يجري عملها بعد موت ابن آدم ((أو مصحفاً ورثه))، ((أو مصحفاً ورثه)).
ورثوا: بتشديد الراء المفتوحة أي: الأنبياء، بحظ وافر: أي بنصيب كامل، بنصيب كامل، يعني من أخذه، لكن كل يأخذ من هذا الإرث بقدر ما كتب له، بقدر ما كتب له، والله -جل وعلا- هو المقدر، والعبد هو المأمور بالسعي في الأسباب، والنتائج بيد الله -جل وعلا-، والنبي -عليه الصلاة والسلام- قاسم كما يقول، والله -جل وعلا- هو المعطي، لا يقول الإنسان: أنا حرصت على أخذ العلم، ومكثت سنين عدداً أتردد بين أهل العلم، وأقرأ في الكتب وفي النهاية لا شيء، أنت تدخل في قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة)) ولو لم تدرك علم، أنت سلكت الطريق يكفي، هذا السبب، أنت تبذل ما عليك والنتيجة بيد الله -جل وعلا-.
((ومن سلك طريقاً)) هو من جملة الحديث المذكور، هو من جملة الحديث ((العلماء ورثة الأنبياء)) وأخرج هذه الجملة بمفردها مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة.
طريقاً: نكرها، ((سلك طريقاً)) نكرة، لماذا؟ ونكر أيضاً علماً ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً)) لو قال: العلم لكان المراد العلم الشرعي المتكامل، علم الوحيين، وما يخدم الوحيين، لكن ((من سلك طريقاً)) هذا نكرة، وعلماً: نكرة أيضاً ليندرج فيه القليل والكثير، ولو جزء من أجزاء العلم، ولو تخصص في فرع من العلوم الشرعية، يعني سواءً سلك طريقاً علماً في التفسير في الحديث في العقيدة فيما يخدم ذلك كله علم، نكر طريقاً ليتناول أنواع الطرق إلى تحصيل العلوم الدينية؛ ليتناول أنواع الطرق الموصلة إلى تحصيل العلوم الدينية؛ وليندرج فيه القليل والكثير، فيدخل فيه دخولاً أولياً سلوك الطريق الحسي بأن يمشي أو يركب إلى مواطن العلم ومدارسه ومعاهده، ويجثو بركبتيه بين يدي أهل العلم ليأخذ من علمهم، هذا يدخل بدخول أولي، هذا سلك الطريق الحسي الذي لا يختلف فيه، وتنكير الطريق يتناول عمومه من تعلم عن طريق الوسائل، من سلك طريقاً هذا طريق من طرق التحصيل، يتناول عمومه من تعلم عن طريق الوسائل الحديثة والكتب المؤلفة، والكتب المؤلفة، ما دام هذا سلك طريق يلتمس فيه العلم النافع الشرعي وما يخدمه يلتمس علم الوحيين الكتاب والسنة وما يعين على فهم الوحيين هذا سلك طريقاً.
فإن سلك الطريق الحسي دخل فيه دخولاً أولياً قطعياً، يعني سلك طريقاً غير الطريق الحسي، يعني حيل بينه وبين الوصول إلى معاقل العلم، وسلك الطرق المؤدية إلى هذا العلم من غير الطريق الحسي من الطرق المعنوية بالوسائل التي وجدت -ولله الحمد- ويسرت العلم الشرعي وأوصلته إلى قعر البيوت، وسمعه الخاص والعام هذا سلك طريقاً، فيتناوله عموم التنكير ((سهل الله له طريقاً)) أي: في الآخرة؛ لأنه قال: ((إلى الجنة)) أو ما يشمل الآخرة والدنيا بأن يوفقه للأعمال الموصلة إلى الجنة، يعني يوفقه إلى الأعمال الصالحة الموصلة إلى الجنة.
وفيه بشارة بتسهيل العلم على طالبه؛ لأن طلبه من الطرق الموصلة إليه، ((سهل الله له طريقاً إلى الجنة)) ومن الطرق الموصلة إلى الجنة تعلم العلم الشرعي والعمل به، وأعظم من ذلك ما جاء في قول الله -جل وعلا-: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ}
[(17) سورة القمر] لكن هل من متمني يتمنى أن يحفظ القرآن؟ يتمنى أن يكون القرآن على لسانه، وعلى أسلة بنانه، يتمنى أن يكون مردداً للقرآن صبحاً وممساً ومهجعاً،..... بالأماني لا؛ لأنه قال: {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [(17) سورة القمر] أما الذي يتمنى ما يحصل له شيء.
وقال الإمام البخاري: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء}
[(28) سورة فاطر] من الذي يخاف من الله -جل وعلا-؟ من علم قدرة الله -جل وعلا- وسلطانه وهم العلماء، قاله ابن عباس: الذين يخشون الله -جل وعلا- هم الذين عرفوا قدرة الله -جل وعلا- وسلطانه، ومن كان بالله أعرف كان منه أخوف، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول عن نفسه بأنه أعلم الخلق بربه: ((إنما أنا أخشاكم وأتقاكم لله -جل وعلا-)) -عليه الصلاة والسلام-، ثم قال الإمام البخاري: {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [(43) سورة العنكبوت] يعني: الأمثال، الأمثال المضروبة ما يعقلها إلا العالمون، وهو نوع عظيم، وباب مهم من أهم أبواب العلم معرفة الأمثال التي ضربها الله -جل وعلا- في كتابه، و ضربها نبيه -عليه الصلاة والسلام- في سنته، وإذا كان الإنسان لا يعقل ولا يفقه ولا يفهم هذه الأمثال فليراجع نفسه، وإن ادعى أنه من أهل العلم، وإن قيل عنه: إنه من أهل العلم؛ لأن الأسلوب حصر، {وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [(43) سورة العنكبوت] لأن الذي لا يعقلها ليس من أهل العلم.
((وإنما العلم بالتعلم))، ((وإنما العلم بالتعلم)) والتفعل المادة هذه وهذا التضعيف يدل على التدريج، التعلم شيئاً فشيئاً، فلا يؤخذ العلم جملة، العلم لا يؤخذ جملة، وإنما يؤخذ بالتدريج، وهو حديث مرفوع.... المتعلم، بالتعلم حديث مرفوع أورده ابن أبي عاصم والطبراني من حديث معاوية بلفظ: ((يا أيها الناس تعلموا إنما العلم بالتعلم، والفقه بالتفقه، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين))، ((ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين))، والحديث بمجموع جمله إسناده حسن، والجملة الأخيرة: ((ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) مخرج في البخاري وغيره من حديث معاوية، والمراد بالفقه في الدين: الفهم للدين بجميع أبوابه، لا يراد به في هذا الحديث الفقه العرفي عند أهل العلم، الاصطلاحي الذي هو معرفة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية بالأرباع الأربعة المعروفة؛ لأن الفقه العرفي مخصوص بالعبادات والمعاملات والأحوال الشخصية والمناكحات، والأقضية والجنايات هذا الفقه في عرف أهل العلم، وكثير من الفقهاء لا سيما الشراح يصدرون خطب كتبهم بهذا الحديث: "الحمد لله الذي فقه من شاء بالدين" استدلالاً أو إشارة إلى أن هذا الكتاب موضوعه الفقه، والفقه في الحديث الفقه في الدين أعم من الفقه العملي، بل يتناول ما سماه العلماء: الفقه الأكبر الذي هو العقائد يدخل فيه دخولاً أولياً، والمقصود المراد بالدين هنا بجميع أبوابه، بجميع أبوابه، فالعقائد، الأحكام، المغازي، السير، التفسير، الآداب، الرقاق، الأدعية والأذكار، وغيرها من أبواب الدين التي اشتملت عليها الكتب الجوامع مثل صحيح البخاري، بدليل أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال في حديث جبريل لما سأله عن الإسلام والإيمان والإحسان قال: ((هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)) فالمراد بالدين بجميع أبوابه وفروعه وأصوله.
والمعنى: ليس العلم المعتبر إلا المأخوذ من الأنبياء، ((إنما العلم بالتعلم)) ما في وسيلة للتحصيل إلا بالتعلم، أما أهل التخريف والشطحات والنزغات الشيطانية الذي يقول: إنه نام فلما انتبه من النوم فإذا به يحفظ القرآن، أو يحفظ السنة، أو يحفظ كتاب كذا أو كذا، هذا لا يمكن أن يحصل، وليست هذه هي الطريقة الشرعية المثاب عليها المرتب عليها الأجور العظيمة في الكتاب والسنة، ((إنما العلم بالتعلم)) ، ((إنما العلم بالتعلم)) وأصحاب بعض الحركات المستحدثة المسماة: بالبرمجة ونحوها يقول: أبداً بإمكانك أن تحفظ القرآن في وقت يسير في يوم مثلاً يعني كأنك تمسح مسح ضوئي، هذا الكلام ليس بصحيح، هذا الكلام ليس بصحيح، ويأتي على ألسنة بعض المخرفين من شيوخ الصوفية وغيرهم أنه يقول: حفظت القرآن في ساعة، أو حفظت كتاب كذا من الكتب الكبار في يوم، هذا الكلام لا شك أنه يجرى على أيدي شياطين تغرهم وتغر بهم، وتستدرجهم وتستدرج بهم، لكن العلم بالتعلم، نعم قد تطول مدة التعلم وقد تقصر، لكن ما في علم بساعات أو أيام، العلم بالتعلم، فالمعنى ليس العلم المعتبر إلا المأخوذ من الأنبياء وورثتهم على سبيل التعلم.
قال ابن عباس..، ذكر البخاري في ترجمة هذا الباب قال ابن عباس: {كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ}
[(79) سورة آل عمران] "حلماء فقهاء"، "حلماء فقهاء" أخرجه ابن أبي عاصم والخطيب بإسناد حسن، وفسره ابن عباس أيضاً بأنه الحكيم الفقيه، الرباني: الحكيم الفقيه، ووافقه ابن مسعود، وقيل: الرباني الذي يقصد ما أمره الرب بقصده من العلم والعمل، من العلم والعمل، وقال ثعلب وهو إمام من أئمة اللغة على منهج أهل السنة وأهل التحقيق، قال ثعلب: قيل للعلماء: ربانيون لأنهم يربون العلم أي يقومون به؛ لأنهم يربون العلم أي يقومون به، والحاصل أنه اختلف في هذه النسبة الرباني اختلف فيها هل هي إلى الرب أو إلى التربية؟ هل هي إلى الرب أو إلى التربية؟ فالذي يقصد العلم النازل من الرب -جل وعلا- على لسان جبريل على النبي -عليه الصلاة والسلام-، والوحي المصاحب له من سنة النبي -عليه الصلاة والسلام- هذا رباني؛ لأن العلم هذا منسوب إلى الرب، والذي يربي الناس على العلم والعمل أيضاً هو رباني، ويقال: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، ويقال: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، يعني ينتبه إلى الصغار، ويربيهم على المتون الصغيرة.
يعني مثل هذه الدورات التي توجه إلى المبتدئين؛ لأن كثير من أهل العلم يهتمون بالكبار؛ لأنهم يعينونهم على التحصيل، أما الصغار فأمرهم متعب، ولذا مع الأسف قل وندر أن تجد من الكبار من يحفظ القرآن، وهو أولى الأولويات وأهم المهمات، ما تجد إلا القليل النادر من الكبار من يحفظ الناس القرآن، أو يعلمهم المتون الصغيرة، ولو تصدى لشرح المتون الصغيرة المؤلفة للمبتدئين لحلق بهم إلى طبقة المتقدمين، فنحن بحاجة ماسة إلى من يحسن التعامل مع الناشئة يربيهم على صغار العلم، ويحفظهم المتون الصغيرة، وما يحتاج إليه في هذا السن من القرآن، ومعاناتهم أشق من معاناة الكبار، ويقال: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، والمراد بصغار العلم هي ما وضح من مسائله، وبكباره ما دق منها، وقيل: يعلمهم جزئياته قبل كلياته، أو فروعه قبل أصوله، أو مقدماته قبل مقاصده، وقال ابن الأعرابي: لا يقال للعالم: رباني حتى يكون عالماً معلماً عاملاً، حتى يكون عالماً معلماً عاملاً.
العلم يهتف بالعمل، والمقولة التي سبقت وهي: أن العلم بدون عمل كالثمر بلا شجر، هذه لها حظ من النظر؛ لأن الثمرة العظمى من العلم هي العمل، فإذا تعلم وعمل بعلمه، ودعا الناس إليه ووجههم وأرشدهم إليه، استحق أن يدعى ربانياً، فإذا علم هذا فميراث النبوة العلم والعمل والدعوة إلى هذا العلم والعمل، والصبر على ذلك، وهي المسائل الأربع التي قررها الإمام المجدد في الأصول الثلاثة، واستدل لها بسورة العصر التي قال فيها الإمام الشافعي: "لو ما أنزل الله على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم".
ذكرنا في بداية الكلام الإشكال على هذا الكلام أن العلماء هم ورثة الأنبياء ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث)) الأنبياء ورثوا العلم ((فمن أخذه أخذ بحظ وافر)) يشكل على هذا قول نبي الله زكريا -عليه السلام- في سورة مريم {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا* يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا}
[(5 - 6) سورة مريم].
في تفسير القرطبي: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: خاف أن يرثوا ماله، خاف أن يرثوا ماله، وأن ترثه الكلالة، فأشفق أن يرثه غير الولد، وقالت طائفة: إنما كانت مواليه مهملين للدين فخاف بموته أن يضيع الدين، فطلب ولياً يقوم بالدين بعده حكى هذا القول الزجاج، وعليه فلم يسأل زكريا من يرث ماله؛ لأن الأنبياء لا يورثون، وهذا هو الصحيح من القولين كما يقول القرطبي في تأويل الآية، وأنه -عليه الصلاة والسلام- أراد وراثة العلم والنبوة، أراد وراثة العلم والنبوة لا وراثة المال لما ثبت عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: ((إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة)) وفي كتاب أبي داود: ((أن العلماء ورثة الأنبياء، وأن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً ورثوا العلم)).
يقول: وهذا الحديث يدخل في التفسير المسند لقوله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ}
[(16) سورة النمل]، وعبارة عن قول زكريا: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا* يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} [(5 - 6) سورة مريم] وتخصيص للعموم في ذلك، وأن سليمان لم يرث من داود مالاً خلفه داود بعده، وإنما ورث منه الحكمة والعلم، ولذلك ورث يحيى من آل يعقوب هكذا قال أهل العلم بتأويل القرآن ما عدا الروافض، ما عدا الروافض؛ لأن الروافض طالبوا أبا بكر وطالبوا عمر ومازالوا يطالبون بالإرث النبوي من فدك وغيرها، وأن ما تركه النبي -عليه الصلاة والسلام- فهو لورثته..، ما ترك من مال فهو صدقة.
قال: وروي عن الحسن أنه قال: يرثني مالاً، ويرث من آل يعقوب النبوة والحكمة، قال القرطبي: وكل قول يخالف قول النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو مدفوع مهجور، قاله أبو عمر، يعني ابن عبد البر.
يقول الإمام المحقق شمس الدين ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتاب (مفتاح دار السعادة): قول زكريا -عليه الصلاة والسلام-: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا* يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا}
[(5 - 6) سورة مريم].
يقول: فهذا ميراث العلم والنبوة فهذا ميراث العلم والنبوة، والدعوة إلى الله وإلا فلا يظن بنبي كريم أنه يخاف عصبته أن يرثوه ماله، يعني لو خاف إنسان من سائر الناس، شخص كلالة لا والد له ولا ولد، وخاف من عصبته الذين قد يكون منهم البعيد الذي لا يعرفه طول حياته، ابن عم بعيد يكون هو أقرب الناس إليه ويأخذ ماله بالتعصيب لو خاف هذا الإنسان من هذا الوارث وتصرف في ماله من أجل حرمان هذا الوارث لأثم بذلك، وبطلت وصيته، ونفذ الميراث، فكيف بني يخاف من الموالي من ورائه أن يرثوا ماله ويطلب من الله -جل وعلا- ويسأله أن يرزقه الولد الذي يرث عنه المال؟!.
يقول ابن القيم: فهذا ميراث العلم والنبوة فهذا ميراث العلم والنبوة والدعوة إلى الله وإلا فلا يظن بنبي كريم أنه يخاف عصبته أن يرثوه ماله فيسأل الله العظيم ولداً يمنعهم ميراثه، يعني يحجبهم عن الميراث، فهل هذا من مقاصد خاصة الناس فضلاً عن الأنبياء؟ هذه ليست من المقاصد التي يقصدها خواص الناس من أهل العلم والفضل والدين فضلاً عن الأنبياء، قد يقصد ذلك شخص ليس من أهل العلم، وليس من أهل الفضل، يشق عليه أن يجمع المال ويتعب عليه ثم بعد ذلك يأخذه ابن عم له بعيد لم يره طول حياته، قد يقصد ذلك، لكن هل يمكن أن يرد هذا بالنسبة لنبي من الأنبياء؟ لا يمكن، والدنيا بحذافيرها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وكذلك عند أوليائه، لما جاء السفير الخاطب إلى سعيد بن المسيب من ابن الخليفة يخطب ابنته فقال له الخاطب أو الخطيب -السفير بينهما-: أتتك الدنيا بحذافيرها، ماذا؟ قال: ابن الخليفة يطلب ابنتك، قال: إذا كانت الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة فماذا ترى أن يقص لي من هذا الجناح؟ الدنيا لا شيء في نظر أهل الآخرة، وإن كانت كل شيء بالنسبة لنظر أهل الدنيا.
الأصل أن الإنس والجن إنما خلقوا لغاية، وهي تحقيق العبودية لله -جل وعلا-، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}
[(56) سورة الذاريات] هذا هو الهدف، وهذه هي الغاية، إنما هي تحقيق العبودية، طيب تحقيق العبودية لا يمكن أن يتم وبقاء النوع الإنسان واستمرار العبودية لله -جل وعلا-، والتوارث على هذه الأرض وعمارة الأرض إلا بشيء من الدنيا، ولذلك قال الله -جل وعلا-: {وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [(77) سورة القصص] وبعض الناس عكس جعل جل الوقت للدنيا ووقت الفراغ ووقت الاسترخاء للدين، هذا عكس ما خلق من أجله، إنما خلق للعبودية وتحصيل أمر الدنيا وما يقوم به المعاش هذا لا ينساه.
يقول: فهذا ميراث العلم والنبوة والدعوة إلى الله وإلا فلا يظن بنبي كريم أنه يخاف عصبته أن يرثوه ماله فيسأل الله العظيم ولداً يمنعهم ميراثه ويكون أحق به منهم، وقد نزه الله -جل وعلا- أنبياءه ورسله عن هذا وأمثاله فبعداً لمن حرف كتاب الله ورد على رسوله -صلى الله عليه وسلم- كلامه، ونسب الأنبياء إلى ما هم براء منزهون عنه، والحمد لله على توفيقه وهدايته.
ثم ختم بأثر ساقه بصيغة التمريض قال: ويذكر عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه مر بالسوق..، ويذكر عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه مر بالسوق فوجدهم في تجاراتهم وبيوعاتهم فقال: أنتم هاهنا، أنتم هاهنا فيما أنتم وميراث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقسم في مسجده؟! فقاموا سراعاً إلى المسجد، قاموا سراعاً إلى المسجد فلم يجدوا فيه إلا القرآن والذكر ومجالس العلم، فقالوا: أين ما قلت يا أبا هريرة؟ فقال: هذا ميراث محمد -صلى الله عليه وسلم-، القرآن والذكر والعلم، هذا ميراث النبوة، هذا ميراث النبي -صلى الله عليه وسلم-، يقسم بين ورثته وليس بمواريثكم ودنياكم، أو كما قال.
إذا تقرر هذا فالميراث الذي طلب الحديث عنه هو العلم؛ لأن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وما تركوه صدقة، إنما ورثوا العلم، فما المراد بالعلم الذي يورث عن الأنبياء؟ هو العلم الموصل إلى رضا الله -جل وعلا- وإلى جناته، من كتاب الله وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام-، وما يعين على فهم الكتاب والسنة، وما يوفر لحامله خشية الله -جل وعلا-، وما يوفر لحامله خشية الله -جل وعلا-، فإذا ترتبت هذه الآثار على هذا العلم، صار هو الموروث عن النبوة، فأخشى الناس لله -جل وعلا- هو محمد -عليه الصلاة والسلام-، وأصدقهم تحقيقاً لهذا الوصف أتقاهم وأتبعهم للنبي -عليه الصلاة والسلام-.
إذا علم هذا فما يحمله الفساق الذين لا يخشون الله -جل وعلا- مما يمكن أن يسمى علماً، هو في عرف الناس علم؛ لأنه إذا سئل أجاب، أجاب عن الحكم بدليله، وهذا في عرف الناس علم، الفساق عندهم معرفة بالأحكام، وعندهم أدلة، وعندهم طريقة صحيحة لكيفية الاستنباط من الأدلة، درسوا هذا وأتقنوه وعرفوه، لكن ارتكبوا بعض المحرمات، وتركوا بعض الواجبات هل نقول: إن هذا علم شرعي موروث؟ هل ينظر إلى العالم بمجرده أو ينظر إلى العالم بعلمه وعمله معاً؟ الذي يحمله الفساق ليس بعلم موروث وإن كان في عرف الناس علم، والله -جل وعلا- يقول: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ}
[(17) سورة النساء] يعملون السوء بجهالة، الذي يشرب الخمر وهو يعرف الحكم أن الخمر محرم، الذي يزني ويعرف أن الزنا حرام، الذي يرابي ويعرف أن الربا حرام له توبة وإلا ليست له توبة؟ {فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ} [(275) سورة البقرة] هل نقول: إن هذا للجاهل أو للذي يعرف الحكم؟ لأن من أنواع الجهل ما يعذر به صاحبه، فباب التوبة للعالم بالحكم والجاهل على حد سواءً، إذاً ما المراد بالعالم هنا والجاهل؟ العاصي جاهل، كل من عصى الله فهو جاهل، كل من عصى الله فهو جاهل؛ لأننا لو قلنا: إن الذي يعلم الحكم عالم وإن عصى قلنا: إنه ليس له توبة؛ لأن التوبة محصورة بمن ارتكب المعصية عن جهالة، التوبة محصورة فيمن عصى الله -جل وعلا- عن جهالة، فمن عرف الحكم إن قلنا: عالم قلنا: ليست له توبة، وهذا خلاف ما أجمع عليه أهل العلم، ودلت عليه النصوص القطعية، وإذا قلنا: جاهل، فما يحمله من علم ليس في الحقيقة بعلم، إذاً ميراث النبوة هو العلم المبني على الدليل الصحيح من الكتاب والسنة، المورث للعمل والخشية، ومع ذلك يتطلب أمراً ثالثاً مهماً وهو الدعوة إلى هذا العلم وتعليمه.
جاء في الحديث: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله)) هذا الحديث فيه كلام لأهل العلم، فمنهم من ضعفه، ومنهم من قواه، ويذكر عن الإمام أحمد أنه صححه، هل هذا خبر عن أهل العلم أنهم عدول؟ أو هذا تعديل لأهل العلم أو هذا حث للعدول بحمل العلم؟ الذي قال: إن هذا خبر عن أهل العلم وأنهم عدول قال: كل من عرف بحمل العلم فهو عدل، وهذا يقوله أبو عمر بن عبد البر، ويتبناه، وينتصر له.

قلت: ولابن عبد البر كل من عني ***  بحمله العلم ولم يوهنِ
فإنه عدل بقول المصطفى *** يحمل هذا العلم لكن خولفا

خولف ابن عبد البر من جماهير أهل العلم أن هذا تعديل لمن يحمل العلم بغض النظر عن العمل، وأن كل من عرف بحمل العلم أنه عدل، هذا الكلام يخالفه الواقع، يخالفه الواقع، فإن الواقع يشهد ويثبت بأن ممن يحمل العلم من ليس بعدل، بل يخالف علمه إما بترك مأمور أو بفعل محظور، وعلى هذا يكون معنى الحديث عند من يثبته ويصححه أنه حث للعدول بحمل العلم، وتوجيه لهؤلاء الثقات العدول بحمل العلم، وأن لا يتركوا مجالاً لغيرهم أن يلبسوا على الناس، يشوشوا على الناس، ويضلوا الناس، ويشهد لذلك أو يدل على ذلك رواية: ((ليحمل هذا العلم من كل خلف عدوله)) فهو أمر للعدول بحمل العلم، وأما غير العدول فلا شك أن ضررهم أكثر من نفعهم، وهم في الحقيقة جهال، وظهر أثرهم على مر العصور في تضليل الناس، وهو في وقتنا بسبب انتشار هذه الأقوال التي تلقى من أولئك الفساق عن طريق وسائل الإعلام ودخولها وولوجها إلى الناس في بيوتهم، هذا يدل دلالة واضحة أن ممن يحمل العلم من ليس بعدل، لكن لا ينبغي أن يسمى عالماً، ولا أن يسمى ما يحمله علم، ولو كان لديه معرفة بالأحكام، والنبي -عليه الصلاة والسلام- في الحديث المخرج في البخاري وغيره يقول: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقِ عالماً اتخذ النار رؤوساً جهالاً، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)) وما يوجد في وقتنا هذا من اضطراب كبير وتناقض وتعارض وتضارب في الفتاوى، إلا نماذج حية نلمسها في واقعنا، وأمثلة ظاهرة لما قاله النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((اتخذ النار رؤوساً جهالاً)) وإنما يقبض العلم بقبض العلماء، يعني الأمة خسرت ومنيت بوفاة بعض العلماء الربانيين الوارثين لعلم النبوة، لكن بقي -ولله الحمد- بقية صالحة تجمع بين العلم والعمل، وكثر أيضاً من يدعي العلم، ومن يتقمص العلم، ويفتي بغير علم -نسأل الله السلامة والعافية-.
المقصود أن العلم الموروث والإرث النبوي هو العلم الصحيح المؤصل المبني على كتاب الله وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام-، بفهم سلف هذه الأمة بفهم سلف هذه الأمة بالتوسط والاعتدال، وإلا ففي النصوص ما قد يتمسك به فئات من الطوائف المبتدعة، فالخوارج عندهم ما يستدلون به من نصوص الكتاب والسنة، والمرجئة في مقابلهم عندهم ما يتمسكون به من نصوص الكتاب والسنة، لكن العبرة بمن أخذ بالطرفين لم يأخذ بطرف ويترك الطرف الآخر، لم يأخذ بنصوص الوعيد فيرتكب ما ارتكبت الخوارج، ويدع نصوص الوعد، ولا يأخذ بنصوص الوعد فيرتكب ما ارتكبته المرجئة، ويترك ويهدر نصوص الوعيد، وقد وفق الله -جل وعلا- أهل السنة والجماعة وهم أهل التوسط بين الفرق والمذاهب فأخذوا من الطرفين بما يقتضي التوفيق بينهما، والتوفيق بينهما جارٍِ عند أهل السنة من غير أي تنافر وأي تناقض وأي تضارب وأي اعتراض، فإذا استطاع الإنسان على طريقة أهل السنة والجماعة أن يوفق بين هذه النصوص التي ظاهرها التعارض فإنه حينئذٍ على الجادة، وحينئذٍ يكون وارثاً إذا عمل بهذا العلم، وعلمه الناس، ودعا إليه، وفقه الناس به، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
هناك مسائل كثيرة تتعلق بالعلم والتحصيل والطلب وكيفية حفظ المتون، وكيفية جرد المطولات، والمنهجية في قراءة الكتب وطريق..، كلها هذه أمور في كل فرع منها محاضرة مستقلة ومسجلة -ولله الحمد-، وما عاد بقي إلا أن ننظر في الأسئلة.
يقول: أنا أحب العلم والعلماء، وأريد أن أكون من أهل العلم؛ لأنني وأخواني...، ولكن العلم يحتاج إلى حفظ ولا يكون إلا بالحفظ -على حد علمي- وأنا أواجه صعوبة شديدة في الحفظ، وعوضني الله سرعة الفهم فما توجيهكم حفظكم الله؟
لا شك أن العلم يحتاج إلى مقومات منها الغريزي، ومنها المكتسب، فمما يحتاج إليه المتعلم الحافظة التي تعينه على ثبات ما يقرأ والفهم؛ لأن الحفظ وحده لا يكفي، والفهم وحده لا يكفي، والفهم وحده لا يكفي، لكن هذه هبات من الله -جل وعلا-، فبعض الناس يشكو من ضعف الحافظة، وبعض الناس يشكو من بطء الفهم، والناس يتفاوتون، وقد جمع الله -جل وعلا- لبعض الناس الحفظ مع الفهم، ووفقهم لسلوك الجادة والطريق من أوله، فاختصروا المدة في تحصيل العلم، بعض الناس عنده حافظة وعنده فهم، لكن لا يوفق للطريق من أوله، تجده في أول الأمر يتخبط، فإذا أفاق فإذا به قد فاته شيء من السن الذي يؤهله للحفظ والفهم، ثم بعد ذلك إما أن يواصل أو ييأس فينقطع، بعض الناس عنده الحافظة القوية، وبعضهم يشق ويصعب عليه الفهم، فمثل هذا عليه أن يعالج ويعاني فهم ما يحفظ وما يقرأ يردده حتى يفهم، يقرأ الشروح، يقرأ الحواشي، يسأل أهل العلم عما يشكل عليه، وإذا أدام النظر في الشروح، إذا أدام النظر في شروح الكتب سواءً كانت من تفاسير القرآن، أو من شروح كتب الحديث، أو المتون العلمية، إذا أدام النظر فيها، فإنه حينئذٍ يتولد عنده ملكة لفهم النصوص، وفهم أقاويل أهل العلم؛ لأن بعض الناس يعنى بالمتون، وليس لديه مُكنة من النظر في الشروح، ويقول: إن هذه الشروح طويلة وتعوق عن التحصيل، الشروح لا بد منها؛ لأنك لا بد أن تفهم هذا العلم على الجادة، على جادة أهل العلم وعلى طريقتهم، وإلا فلا شك أنك ستظل في الفهم، فأنت إذا كنت لديك الحافظة، وليست لديك الفهم فإن عليك أن تعاني كلام أهل العلم في شرح النصوص وشرح المتون، وبعد ذلك بعد مدة يتيسر لديك الفهم، تتولد لديك الملكة وتعينك -بإذن الله- على فهم ما تقرأ.
وإذا كان لديك الفهم وليست لديك الحافظة فعليك أن تعاني الحفظ، وتكرر ما تريد حفظه مرة مرتين عشر مرات عشرين إلى آخره، ومن أفضل ما يعين على الحفظ كتابة ما يراد حفظه، كتابة ما يراد حفظه مرتين ثلاث حتى يحفظ، وذكر الشيخ عبد القادر بن بدران في كتابه: (المدخل) طريقة للحفظ، طريقة للحفظ، يقول: إذا كانت الحافظة ضعيفة فقدر المحفوظ لهذا اليوم شيئاً يسيراً سطرين ثلاثة، وإذا كانت متوسطة فقد عشرة أسطر مثلاً، وإذا كانت الحافظة قوية فقدر ورقة، ثم ردد ما قدرته حتى تجزم بأنك قد حفظته، هذا نصيب هذا اليوم، إذا جزمت بأنك حفظته من الغد كرر هذا الذي حفظته في هذا اليوم عشر، خمس مرات، أو قال: خمس مرات، قال: خمس مرات نعم، كرره خمس مرات، ثم اشرع في نصيب اليوم الثاني حتى تجزم أنك حفظته كما حفظت نصيب اليوم الأول، فإذا جاء اليوم الثالث كرر ما حفظته في اليوم الأول أربع مرات، وما حفظته في اليوم الثاني خمس مرات، ثم حدد نصيب اليوم الثالث وكرره حتى تحفظه، لا تقول: أنا ضعيف الحافظة، كرر سطر، وإذا عجزت عن حفظه اكتبه وسجله ثم اسمعه، واجعل أحد يقرأه عليك، واقرأه على أحد، المقصود قلب ما تريد حفظه على جميع الوجوه، فإذا حفظته فراجع ما حفظته في اليوم الأول ثلاث مرات، واليوم الثاني يعني في اليوم الرابع كرر ما حفظته في اليوم الأول ثلاث مرات، وفي اليوم الثاني أربع مرات، وفي اليوم الثالث خمس مرات، ثم حدد نصيب اليوم الخامس، واحفظه على الطريقة السابقة، ثم بعد ذلك كرر ما حفظته في اليوم الأول مرتين، والثاني ثلاث مرات، والثالث أربع مرات، والخامس خمس مرات، ثم اشرع في نصيب اليوم السادس وهكذا، وبهذه الطريقة تضمن أنك لن تنساه -بإذن الله-، وهذه طريقة مجربة، هذه طريقة مجربة.
في بعض كتب التربية الحديثة التزهيد بالحفظ، وأنه يبلد الذهن، وأن المعول أولاً وأخراً على الفهم، وهذا الكلام إذا صح بالنسبة لعلوم غير المسلمين من العلوم التجريبية التي تنبني على الأعمال اليدوية، هذه تحتاج إلى فهم، تحتاج إلى دقة، لكن ما تحتاج إلى حفظ، لكن علومنا الشرعية المبنية على النصوص لا بد فيها من الحفظ، والتزهيد بالحفظ تزهيد بالعلم، تزهيد بالعلم لا شك أن الفهم أمر في غاية الأهمية لمن يريد العلم، لكن الحفظ إن لم يكن أهم من الفهم فلن يكون دونه بحال لا سيما ما يتعلق بالكتاب والسنة، يعني نجد الخلل في علم من اعتمد على الحفظ على الفهم وأهمل الحفظ، الحفظ هو الذي يسعف المعلم، هو الذي يسعف المعلم لإلقاء ما يريده من نصوص الكتاب والسنة، يعني إذا جازت رواية الحديث بالمعنى فإنه لا بد أن يكون لديه معرفة بأصل الحديث، وأن يعرف ما يخل بمعناه، وهذا أيضاً يحتاج إلى حفظ وإن لم يحفظ الحديث بحروفه، ولكن نصوص القرآن وآيات القرآن لا تجوز فيها الرواية بالمعنى، ولا تدرك بالاجتهاد، بل لا بد من حفظها بحروفها.
من الغرائب أن يجتمع اثنان على كتاب واحد، يعني على تأليف كتاب واحد، أحدهما: آية في الحفظ، آية من آيات الله في الحفظ، والثاني: آية في الفهم، تفسير الجلالين ألفه جلال الدين المحلي هذا قال أهل العلم في ترجمته: إن ذهنه يثقب الفولاذ من قوة فهمه، ويقول عن نفسه: إنه حاول حفظ ورقة من كتاب مدة طويلة ثم ظهرت فيه بثور، وارتفعت حرارته إلى أن تركها، كله من ضعف الحافظة، لكن ذهنه وفهمه قالوا: يثقب الفولاذ، وبالمقابل النصف الثاني من تفسير الجلالين، يعني القسم الذي ألف آخراً، وإن كان هو النصف الأول، يعني من الكهف إلى آخر القرآن مع الفاتحة هذا لجلال الدين المحلي، أتمه من أول البقرة إلى آخر الإسراء جلال الدين السيوطي الذي يحفظ مائتي ألف حديث، يحفظها كما يحفظ الفاتحة، ويقول: لو وجدت من الأحاديث أكثر من ذلك لحفظت، فاجتمع هذا وهذا وألفا الكتاب بنفس واحد.
وقلنا: إن من تسعفه الحافظة يكثر من المحفوظ، ويديم النظر في شروح أهل العلم؛ لكي تتولد له الملكة للفهم، كيف يفهم أهل العلم النصوص؟ كيف يعالجون التعارض؟ وكيف يتعاملون مع هذه النصوص؟ النصوص تحتاج إلى خبرة ودربة في كيفية التعامل معها، يعني لا تكفي النصوص فقط أن تورث علم متكامل، النصوص لا بد منها ولا بد من فهمها على طريقة سلف هذه الأمة وأئمتها.
هذا يقول: حينما يسلك الإنسان طريق العلم فهل يبدأ بفن الحديث أم الفقه أم العقيدة؟
طريقة المشارقة في التعلم تختلف عن طريقة المغاربة، المغاربة يقدمون حفظ القرآن، ولا يقرؤون معه شيئاً آخر، فإذا ضمنوا حفظ القرآن كما ذكر ذلك ابن خلدون في مقدمته اتجهوا إلى العلوم الأخرى، والمشارقة يمزجون العلوم، بمعنى أنهم في وقت واحد ينوعون ويتفننون، فيتعلمون من القرآن نصيباً، ومن الحديث شيئاً، ومن الفقه قدراً، ومن العقيدة وجميع العلوم يطرقونها في آن واحد، على ترتيبهم لطبقات المتعلمين فالمبتدئون لهم كتب، والمتوسطون لهم كتب، والمنتهون لهم كتب، فبهذه الطريقة يدرس من القرآن مثلاً في حال كونه مبتدئاً المفصل، يحفظ هذا القدر من القرآن، ويحفظ متناً صغيراً في الحديث، ومتناً في العقيدة، ومتناً صغيراً في الفقه، ومتن في علوم الآلة من اللغة بفروعها، وأصول الفقه، وعلوم الحديث وغيرها، ثم بعد ذلك ينتقل إلى كتب الطبقة الثانية والثالثة وهكذا، قد يقول قائل: إذا قرأت في أكثر من علم في وقت واحد يتشتت ذهني، ولا بد أن أحصر جهدي في كتاب واحد في فن واحد، نقول: لك ذلك، ابدأ بالقرآن فاحفظه، اضمن حفظ القرآن، ثم احفظ من السنة بعض المتون المرتبة عند أهل العلم احفظ الأربعين ثم العمدة ثم البلوغ، ثم بعد ذلك اتجه إلى علم الفقه والاستنباط فتحفظ متناً صغيراً ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، على طريقة شرحناها مراراً في كيفية التفقه من كتب العلم، ثم بعد ذلك اتجه إلى العقيدة، أو قدم بعضها على بعض على حسب ما يتيسر لك من علماء تلازمهم يحسنون التعامل معك في سنك، فإذا كنت ممن يتشتت فاقتصر على علم واحد، وإن كنت ممن يستوعب ويمل لو اقتصر على علم واحد فنوع، والناس يختلفون في هذا.
هذا يقول: نرجو أن تكون لك زيارة شهرية لبريدة لمحاضرة تكون سلسلة في كتب العلم؟
عندنا دورة في الصيف مدتها أسبوعان في شرح جامع الترمذي، وأما هذا فحسب التيسير، يعني إذا وجد فرصة لبينا الطلب وإلا فالإخوان يعذروننا.
يقول: ما توجيهكم لمن يتابع المحاضرات هل يكتب أم يكتفي بالسماع مع العلم أنه بطيء الكتابة لا يستطيع أن يكتب كل ما يقوله الشيخ، وكيف يراجع الدرس في وقت آخر؟
هذا إذا كان حضر المحاضرة وانتبه لها انتباهاً جيداً، وقيد ما يحتاج إليه مما يلفت نظره وانتباهه من هذه المحاضرة، رؤوس، عناوين، ويكون إذا تذكر هذه العناوين تذكر ما قيل تحت كل عنوان بها ونعمت، وإن كانت حافظته لا تستطيع استيعاب ما قيل في المحاضرة فالتسجيل يقوم بهذا، يعني مراجعة التسجيل يقوم بشيء من هذا.
يقول: هل من الممكن أن أحفظ على نفسي القرآن من غير شيخ آخر؟
نعم إذا أتقنت القرآن، إذا أتقنت قراءته وتلاوته فلك أن تحفظه بمفردك على غير شيخ، لكن شريطة أن ترفع صوتك بالقراءة وقت الحفظ؛ لأن الذي يحفظ القرآن سراً لا يستطيع أن يجهر به، قد يقرأه سراً لكن لا يستطيع أن يقرأه في الصلاة مثلاً حتى تتظافر عليه جميع الحواس، النظر في المصحف مع تكريره باللسان والشفتين مع استماع الأذنين له، وهذا أمر مجرب من حفظ سراً لا يستطيع أن يجهر به.
يقول: أنا متضايق نفسياً عندي ضيق نفس وطفش وملل من الدنيا، كل شيء يتكرر علي يومياً حتى أني أفكر بالانتحار فكيف أتخلص من ذلك؟
نسأل الله السلامة والعافية.
أولاً: الانتحار قتل للنفس وقاتل نفسه متوعد بالنار -نسأل الله السلامة والعافية-، ويأتي يوم القيامة وبيده الآلة التي قتل نفسه بها، يقتل بها نفسه مراراً في نار جهنم -نسأل الله السلامة والعافية-، والذي أجزم به أن سبب هذا الضيق البعد عن ذكر الله، وعن تلاوة القرآن، وعن الأذكار المرتبة في أوقاتها ومناسباتها، فلو لزم الإنسان الذكر {أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}
[(28) سورة الرعد] كما قال الله -جل وعلا- خلافاً لمن تدعى ولايته ممن يقول:

ألا بذكر الله تزداد الذنوبُ ***  وتنطمس البصائر والقلوبُ

هذا تدعى ولايته، ويعبد من دون الله -نسأل الله السلامة والعافية-، ولي من أكابر الأولياء في عرف فئام جموع غفيرة من المسلمين -نسأل الله السلامة والعافية-، لكن الله -جل وعلا- يقول: {أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [(28) سورة الرعد] وقراءة القرآن كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- على الوجه المأمور به تورث الإنسان من العلم والإيمان واليقين ما تطمئن به نفسه، وينشرح له صدره، مما لا يجده غيره إلا من فعل فعله.
هذا يقول: ممكن أن نفسر ربانيين بقول: إن الرباني هو الذي يجلي القلوب، أي ينظفها من وسخ الدنيا، أي كمثل الذي يرب دلة القهوة أي ينظفها من الوسخ الذي عليها؟
هذا تنظير للمعنويات بالمحسوسات، ولا شك أن توجيه الناس إلى العلم الشرعي وتربيتهم عليه سعي جاد وحثيث إلى تجلية القلوب وتنظيفها من الأوساخ والأدران وجميع الأمراض التي تلم بها.
يقول: لي سنوات في طلب العلم وأشكو من ضعف الحفظ وكثرة النسيان، فما الأصلح لي؟ هل أكثر القراءة أم أعكف على الحفظ والثاني شاق علي، وأسعى إيش؟ وأشعر -الخط يعني رديء- وأشعر بملل من الحفظ؟
لا شك أن الحفظ والتكرار والترديد ممل، لكن ما في وسيلة لضعيف الحافظة إلا بهذا، يقرأ مرة مرتين، عشر، عشرين، ولا يمل؛ لأنه إذا عرف شرف المقصود هان عليه كل شيء، إذا عرف شرف المقصود والأجور المرتبة عليه فإنه يهون في سبيل تحصيله كل شيء، ويرخص كل نفيس، ولا أنفع لمثل هذا من الكتابة واختصار الكتب، يعني يأتي من يشكو ضعف الحفظ، وأنه قرأ تفسير ابن كثير مراراً، وفي النهاية لا شيء، ما فهم شيء، ولا حفظ شيء، ولا يذكر شيء من التفسير، نقول: يا أخي إذا كنت بهذه المثابة فاختصر تفسير ابن كثير، اختصر تفسير ابن كثير، طيب في السوق في المكتبات مختصرات كثيرة لتفسير ابن كثير، فأنا أضيف نسخة، أنا أقول: لا تضف نسخة إلى السوق، أضف إلى نفسك نسخة، فبمعاناتك هذا الاختصار وتعبك على فهم ما تقرأ، وتمييزك بين ما تثبته وما تتركه هذا يجعل هذا العلم ينقش ويحفر في قلبك.
يقول: ما توجيهكم لمن تساهل في التصوير حتى لا يكاد يمر موقف من المواقف إلا وله فيه بصمة من خلال كاميرته، أي أن الواحد منا لا يجلس في مجلس إلا وقد تعرض لما يسمى بصيد هذه الكاميرات؟
أولاً: التصوير بالنسبة لاختياري ورأيي أنه محرم كما جاءت به النصوص الصحيحة الصريحة، وأنه من كبائر الذنوب -نسأل الله السلامة والعافية- وأن هذه النصوص تناول ما يسمى تصوير بجميع آلاته وأشكاله ووسائله، حتى الكاميرات الموجودة في كاميرات الفيديو والجوال كلها تصوير، كل ما يمكن أن يعاد في غيبتك فهو تصوير، وأما قول من يقول: إن النصوص الشديدة والوعيد الشديد على المصورين لا يمكن أن يتوجه لشخص ضغط زراً في لحظة فأوجدت صورة، والمصور في الحقيقة هو الآلة، وأن الذي ضغط الزر هذا ما فعل شيء كبير يمكن أن يتوعد عليه بمثل هذا الوعيد، نقول: نظيره من ضغط زر المسدس فقتل مسلماً بضغطة زر، الإنسان لا ينظر إلى صعوبة العمل أو مشقة العمل أو خفة العمل يتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفاً، المسألة مسألة امتثال، المسألة مسألة طاعة لله ورسوله،
والمعصية قد تكون كبيرة وإن كان فعلها ومعاناتها يسير، إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير، العذاب وجل عذاب القبر من هذا العمل الذي يظن في عيون الناس أنه صغير، يقول: ضغطة زر تصور لك مائة شخص، وجاء في الحديث الصحيح أنه يقال: ((أحيوا ما خلقتم)) يؤمر بنفخ الروح في هذه المائة، فماذا عن من صور الألوف المؤلفة -نسأل الله السلامة والعافية-، وعلى كل حال من أهل العلم من ينازع في دخول هذا في النصوص، وأن يجعل هذا من نوع حبس الظل وشبهه، ولهم اجتهادهم، ولا نعترض على من اجتهد لا سيما من عرف بالعلم والعمل وصدق النية والإخلاص، وأنه لا يتبع الهوى، لكن هذا اجتهاده.
في قصة يعني ليست بما يستدل بها على حكم التصوير، حكم التصوير محسوم بالأدلة الصحيحة، فيه النصوص الصحيحة، وفيه الكلام الكثير لأهل العلم، لكن هناك قصة وقفت على كتاب اسمه: (شيوخ معهد أسيوط) مطبوع منذ ثمانين عاماً، شيوخ معهد أسيوط، وفي هذا تراجم لمن تولى مشيخة المعهد، يعني مدير المعهد أو رئيس المعهد يسمونه شيخ المعهد، كل واحد فيه ترجمته بصفحة أو صفحتين، وفيه صورته، على جانب العنوان اسمه صورة لهذا الشيخ، فيه شيخ من شيوخ المعهد اسمه: محمد شريت، بالتاء، محل الصورة المربع فاضي، ومكتوب: لم يمثل أمام كاميرات التصوير قط، يقول المؤلف وهو من أساتذة المعهد وليس من الشيوخ يعني مدير المعهد يقول: كنت نائم في ليلة من الليالي فجاءني من يقول: هذا رسول الله نائم في الغرفة، دخلت فكشفت عنه الغطاء فإذا شيخنا محمد شريت ميت، فلما ذهبت إلى المعهد وجدت الشيوخ يتبادلون التعازي في وفاة شيخ المعهد، أنا أقول: مثل هذه القصص لا يقرر بها حكم شرعي، لا وزن لها في مقام الاستدلال، لكن هذه لها دلالتها، فعلى الإنسان أقل الأحوال أن يتورع خشية أن يقع في هذه النصوص الشديدة، خشية أن يقع في هذه النصوص الشديدة، وإلا عندنا من العلماء من يفتي من الجهات الرسمية وهم أهل علم وورع ودين، ولا نقول إلا خيراً، ممن يقول: إن هذه لا تسمى تصوير، وإنما تسمى حبس ظل، وكنا نسمع هذا الكلام من قديم، يأتينا من الوافدين ومن الخارج ثم بعد ذلك..، وأظن ضغوط الواقع أثرت في الفتوى، ورأوا أن هذا الأمر لا بد منه، وعمت بها البلوى، فما منهم إلا أنهم أوجدوا مخرجاً.
دعك من الناس المفتونين هناك من هو مفتون -نسأل الله السلامة والعافية- ممن يحرف الكلم عن مواضعه، في تفسير الجواهر وهو تفسير متداول، تفسير عصري متداول صدر أمر الملك عبد العزيز سنة (1353هـ) أو (54) بمنعه من دخول المملكة، وحقيق وجدير أن يمنع؛ لأنه أشبه ما يكون بكتب العلوم، كله صور وتطبيقات ونظريات، مبني على هذا، وفيه شيء من التحليل اللفظي للقرآن، وفيه استطرادات وتجارب وقعت له ولغيره، لكن مما قاله يقول يستدل بقول الله -جل وعلا-: {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ}
[(43) سورة الأنفال] يقول: أراهم الله -جل وعلا- إياهم، أراه الله -جل وعلا- إياهم أقل من واقعهم، أقل من واقعهم، ولا يمكن أن يكون هذا إلا بطريق التصوير؛ لأنه ما يمكن أن تشوف ناس أقل من الواقع أو أصغر من الواقع إلا بالتصوير، فيكون هذا دليل على جواز التصوير، يعني ضلال، هذا تحريف للكلم -نسأل الله السلامة والعافية-، يقول: فعرضت هذا الاستدلال على شيخ من الشيوخ فقال: لا يكفي أن يقال: هذا دليل على جواز التصوير، بل هو دليل على وجوب التصوير -نسأل الله السلامة والعافية-، يعني يصل الحد إلى هذا؟! ((اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)).
ابن القيم -رحمه الله تعالى- تحدث في إغاثة اللهفان عن المسخ الذي يكون في آخر الزمان، وقال: "إنه يكون أكثر ما يكون في العلماء المضلين الذين يحرفون الكلم عن مواضعه".
يقول: ما هي الأسباب المعينة لطلب العلم مع أنني في كلية الشرعية لكن أحس أنني لا أفهم شيئاً؟
ذكرت في بداية أو في أثناء الكلام في الدرس أن هناك أشرطة تناولت العلم من جميع جوانبه، بحدود ثلاثين شريطاً كلها تعالج هذه المشاكل وهذه الأسباب، وما يعين طالب العلم، وما يعوق طالب العلم، فيرجع إليها؛ لأنها تحتاج إلى شيء من التفصيل.
بماذا تنصحون من بدأ أكثر من مرة في حفظ القرآن ثم يتوقف فترة يبدأ من جديد، حتى بلغ الأربعين ولم يحفظ؟
مثل هذا يتحسس نفسه، لا بد أن يكون مبتلاً بشيء عوقب بسببه بعدم متابعة الحفظ، فيتحسس نفسه، فعليه أن يحفظ نفسه من الأسباب المؤثرة على القلب، وأكثر ما يؤثر على القلب الفضول، فضول الكلام، فضول النظر، فضول الاستماع، فضول الطعام والشراب، فضول النوم، فضول الخلطة، كما قرر ذلك ابن القيم -رحمه الله تعالى- وعليه أن لا ييأس، عليه أن لا ييأس.
يقول: حبذا لو ذكرت لنا باختصار أفضل الطبعات لكل من شرح الكرماني للبخاري، إرشاد الساري، شرح النووي على مسلم، مع ملاحظة أن تكون الطبعة متوافرة؟
هناك أشرطة خمسة أو ستة نسيت من وقت من زمن تكلمنا فيها على شروح الكتب الستة، ومنهج كل شرح، واستخرجنا فوائد وطرائف من كل شرح، وذكرنا الطبعات المعتمدة لهذه الشروح، وأحسب أن هذه الأشرطة نافعة لبعض المتعلمين، فيرجع إليها من أراد الجواب على هذا السؤال.
يقول: ما أفضل التحقيقات لكتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر؟
على كل حال الكتاب طبع مراراً كثيرة، ولا تزال طبعة بولاق هي أفضل الطبعات، وأصح الطبعات، وإن ادعى من ادعى أنه حقق الكتاب، وصحح الكتاب، نعم صحح، وذكر نماذج من تصحيحه، ويشكر على هذا، لكن الكتاب لا يمكن أن ينوء به شخص.
السيديهات والأقراص للكمبيوتر هل تغني عن قراءة كتب الحديث؟
أبداً، هذه الوسائل لا شك أنها معينة لطالب العلم ومختصره لوقته، لكن لا يمكن أن يبنى عليها طالب علم يستقل بها ويجعلها مصدره الوحيد للتلقي، يستفيد منها طالب العلم باختبار عمله، يعمل بيده، يقرأ بنفسه، يبحث بنفسه لا يعتمد على أقراص ولا على فهارس، ولا..، لا يعتمد على شيء، توصل إلى المعلومات بنفسه، وقد يصل إلى معلومات هو بأمس الحاجة إليها، عشرات المسائل يقف عليها بنفسه قد تكون حاجته إليها أقوى من حاجته إلى المسألة التي يبحث عنها، لكن إذا أراد أن يختبر عمله خرج الحديث مثلاً من عشرين طريقاً بالنظر وتقليب الكتب، ثم أراد أن يختبر العمل يضغط الزر ويشوف إذا كان هناك طرق زائدة لم يقف عليها، أو هو خطيب بقي من الوقت على الخطبة يسير لا يكفي لتخريج الحديث من الكتب، وأراد أن يطلع على ما قاله أهل العلم في هذا الحديث بدلاً أن يلقيه على عموم الناس دون معرفة لدرجته له ذلك، أما أن يتعلم على هذه الآلات فلا.
ما موقف طالب العلم من اختلاف العلماء؟ وما موقف العامة كذلك من اختلاف وتضارب فتاوى العلماء المعاصرين في بعض المسائل؟
طالب العلم إن كان مؤهلاً للنظر والاستدلال ففرضه أن ينظر ويستدل، ويعمل بما ترجح لديه من خلال النصوص، والذي ليست لديه الأهلية -أهلية النظر- ولا الاستدلال هذا حكمه حكم العامي فرضه سؤال أهل العلم، سؤال أهل العلم.
ويقول هو: تضاربت الفتاوى من يقدم؟ من نأخذ بقوله؟ ومن نترك؟
عليك أن تقدم الأوثق، الأوثق قد يقول قائل مثلاً: أنا عامي لا أعرف كيف أوازن بين هذا هل هو أوثق من هذا أو أوثق من هذا؟ نقول في مثل هذا: تكفي الاستفاضة على ألسنة أهل العلم، والله -جل وعلا- لا يكلف نفساً إلا وسعها، الاستفاضة على ألسنة أهل العلم كافية، ومع ذلك لا بد من توافر الشروط الثلاثة.

وليس في فتواه مفتٍ متبع *** ما لم يضف للعلم والدين الورع

هذا يقول: يتعرض الشيخ المحدث عبد المحسن العباد لهجمة شرسة في منتديات الانترنت فهل من نصيحة لمن يتعرض للشيخ؟
الشيخ -فيما نحسب والله حسيبه- على خير عظيم، وأنه من خيار أهل العلم، من أهل العلم والورع والدين، والتقوى فيما نحسب والله حسيبه، هذا فيما نعلم عن الشيخ، فالذي يتعرض لأولياء الله الخطر عليه ((من عادى لي ولياً)) ونحسب الشيخ -والله حسيب الجميع- من هذا النوع، يبقى أن من يتعرض للحيلولة بين الإفادة من هذا الشيخ وبين..، من الإفادة من علم هذا الشيخ، من يحول بينه وبين طلاب العلم هذا يسميه بعض أهل العلم قاطع طريق، قاطع طريق.
يقول: كيف نتعامل مع مدرسي العلوم الشرعية في الدراسة النظامية الذين يظهر عليهم المنكر من حلق اللحية، والإسبال، وجهل تدريس كتب أهل العلم؟
مثل هؤلاء لا بد أن تسدى لهم النصيحة، وأن يوجهوا بالقول اللين، بالرفق، باللين، بالحكمة، بالموعظة الحسنة، إن نفع هذا وإلا فبرفع أمرهم إلى المسئولين، والتفاهم معهم لاستبدالهم بمن يعلم الناشئة ممن تبرأ الذمة؛ لأن هذه أمانة، ولا بد من أداء الأمانة على الوجه المطلوب، وتولي أو تولية مثل هذا النوع لا شك أنه مخل بشيء من الأمانة، فيراجع عليه الجهات المختصة بهذا، ويناقشون، ويستجيبون -إن شاء الله تعالى-.
يقول: ما حكم عرائس الأطفال، وجوال الكاميرا؟
عرائس الأطفال يتكلم فيها بعض أهل العلم على أساس أنها هي لعب البنات الموجودة في النصوص، وأن عائشة كان عندها لعب، كانت تلعب بلعب البنات، وعندها فرس له جناحان، وعندها وعند غيرها، لكن ما المراد بهذه العرائس وهذه اللعب؟ فسرها أهل العلم الشراح قالوا: اللعبة هذه عبارة عن وساد كبير في رأسه وساد صغير، ولا في أكثر من هذا، ليس فيه أكثر من هذا، والآن العرائس واللعب الموجودة الآن المضاهاة التامة لخلق الله، فهي الصور المجسمة التي أجمع العلماء على تحريمها، مضاهاة مصورة بدقة، بدقة فاتنة، ومن مضاهاتها أنها إذا أضجعت أغمضت عينيها، إذا أجلست ضحكت، إذا أوقفت وصفق لها رقصت وغنت، هل يشك في تحريم مثل هذه العرائس؟ إذاً ما الصور المجسمة المجمع على تحريمها إن لم تكن هذه؟ إضافة إلى أنه وجد أنواع من هذه المجسمات التي يسمونها عرائس ولعب بنات بأحجام تثير الغرائز، وإخواننا في الهيئة وفي الحسبة عندهم قصص من هذا النوع، لا يحسن ذكره في هذا المكان.
جوال الكاميرا لا شك أنه آلة تصوير وهو بحد ذاته قد يصور ما فيه روح فيكون تصويره محرماً، وقد يصور ما لا روح فيه وتصويره جائز، وإن كان المختار عند الإمام القرطبي المفسر المعروف أنه لا يجوز تصوير خلق الله ولو لم يكن ذا روح، فلا يجوز عنده تصوير الأشجار، لكن عامة أهل العلم على جواز تصوير ما لا روح فيه، مثل ما قلنا: إن هذا الجوال قد يصور المباح وقد يصور المحرم، لكنه يسهل المحرم، وقد يجد الإنسان نفسه في موقف يفرض نفسه عليه التصوير، التصوير يفرض عليه نفسه كيف؟ قد يكون شاب من الشباب صالح لا يرى مثل هذه الأمور وقد ينكر هذه الأمور ولو تمكن من هذه الكاميرات لكسرها، وقد يكون قد شارك في وقت من الأوقات في تكسير الكاميرات في المشاعر، لكنه الآن اقتنى هذا الجوال باعتبار أنه فيه خدمات لا توجد في غيره، لكن ماذا عن الثبات؟ إذا حمل الجوال الذي فيه الآلة اللي تسهل له مزاولة هذا المنكر؟ هذا لا ينتبه، أو قد لا يجد الصراع النفسي في تصوير نفسه، في تصوير والده، في تصوير والدته، في تصوير أخيه، لا يجد صراع قوي في تصوير هذا، لكن ماذا عما لو رزق بطفل وجعل الطفل يحبو مرة ومرتين ثم يسقط، هذا المنظر لن يتكرر عليه مرة ثانية، فيأتيه الشيطان يقول: اغتنم هذه الفرصة والتصوير فيه خلاف، فتجده يجرأ على مثل هذا التصوير، وماذا عن الطفل إذا خطا مرة أو مرتين في بداية المشي يقوم ويعثر يقول له الشيطان: هذا المنظر لا يمكن يتكرر عليك مرة ثانية؟ فيسهل عليه التصوير، ثم بعد ذلك إذا صور صور انتهى، وعرفنا شباب في غاية من التحري والتثبت ثم بعد ذلك لما ملكوا هذه الآلة أقدموا على التصوير وصاروا يصورون من غير قيد ولا شرط، ثم مالوا إلى القول الآخر وقالوا: تبرأ الذمة بتقليد فلان وفلان، لكن المسألة مسألة هوى، كان يرى حرمة التصوير ثم رأى إباحته لا من أجل نظر في الأدلة وتغير اجتهاد، لا، لكن الهوى قاده إلى ترجيح هذا القول من غير نظر في أدلته، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.