submit

rss

تفسير القرطبي - سورة الفرقان من آية 17- 27

تفسير القرطبي
تفسير (سورة الفرقان)
(من آية 17- 27)

الشيخ/ عبد الكريم الخضير
 

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
قال الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى-:
قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا * فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلَا نَصْراً وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا}
[(17- 19) سورة الفرقان].
قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} قرأ ابن محيصن وحميد وابن كثير وحفص ويعقوب وأبو عمرو في رواية الدوري: {يَحْشُرُهُمْ} بالياء، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لقوله في أول الكلام: {كَانَ عَلَى رَبِّكَ}
[(16) سورة الفرقان] وفي آخره: {أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء}[(17) سورة الفرقان] والباقون بالنون على التعظيم.
قراءة الياء مناسبة لقوله: {كَانَ عَلَى رَبِّكَ}
[(16) سورة الفرقان] وقراءة النون مناسبة للآخر: {أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء}[(17) سورة الفرقان] والنون هذه للتعظيم والتأكيد، والعرب تؤكد فعل الواحد بضمير الجماعة.
{وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ}
[(17) سورة الفرقان] من الملائكة والإنس والجن والمسيح وعزير قاله مجاهد وابن جريح، وقال الضحاك وعكرمة: الأصنام {فَيَقُولُ}[(17) سورة الفرقان] قراءة العامة بالياء وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، وقرأ ابن عامر وأبو حيوة بالنون على التعظيم، {أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ}[(17) سورة الفرقان] وهذا استفهام توبيخ للكفار، {قَالُوا سُبْحَانَكَ}[(18) سورة الفرقان] أي قال المعبودون من دون الله: سبحانك: أي تنزيهاً لك.
{مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء} فإن قيل: فإن كانت الأصنام التي تُعبد تُحشر فكيف تنطق وهي جماد؟ قيل له: ينطقها الله تعالى يوم القيامة كما ينطق الأيدي والأرجل، وقرأ الحسن وأبو جعفر: (أن نُتخَذ) بضم النون وفتح الخاء على الفعل المجهول، وقد تكلم في هذه القراءة النحويون، فقال أبو عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر: لا يجوز (نُتخذ)، وقال أبو عمرو: لو كانت (نُتخذ) لحذفت (من) الثانية فقلت: أن نتخذ من دونك أولياء، كذلك قال أبو عبيدة: لا يجوز (نُتخذ)؛ لأن الله تعالى ذكر (من) مرتين، ولو كان كما قرأ لقال: أن نتخذ من دونك أولياء، وقيل: إن (من) الثانية صلة، قال النحاس: ومثل أبي عمرو علي جلالته ومحله يستحسن ما قال؛ لأنه جاء ببينة وشرح ما قال أنه يقال: ما اتخذت رجلاً ولياً، فيجوز أن يقع هذا للواحد بعينه، ثم يقال: ما اتخذت من رجل ولياً فيكون نفياً عاماً، وقولك: ولياً تابع لما قبله فلا يجوز أن تدخل فيه من؛ لأنه لا فائدة في ذلك.
لكن القراءة الأولى {قَالُوا سُبْحَانَكَ}
[(18) سورة الفرقان] ينزهون الله -جل وعلا- عمّا نسب إليهم من عبادتهم من دونه {مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء}[(18) سورة الفرقان] هذه القراءة هي الثابتة، وهي المتواترة، وأما قوله في قراءة: (ما كان ينبغي لنا أن نُتخذ) هم اتخذوا، أما كونهم لا ينبغي لهم أن يتخذوا، هذا كلام صحيح، جواب صحيح، لا يتخذون إلهاً من دون الله، ولا ولياً من دونه، لكن كونهم يتخذون أولياء من دون الله –اُتخذوا- ولذا يقول في أوله: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ}[(17) سورة الفرقان] المقصود أنهم عُبدوا من دون الله.
{وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ }
[(18) سورة الفرقان] أي في الدنيا بالصحة والغنى وطول العمر بعد موت الرسل صلوات الله عليهم، {حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ} أي تركوا ذكرك فأشركوا بك بطراً وجهلاً فعبدونا من غير أن أمرناهم بذلك، وفي الذكر قولان: أحدهما: القرآن المنزل على الرسل، تركوا العمل به، قاله ابن زيد.
الثاني: الشكر على الإحسان إليهم والإنعام عليهم، {وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا} أي هلكى، قاله ابن عباس مأخوذ من البوار وهو الهلاك، وقال أبو الدرداء -رضي الله عنه- وقد أشرف على أهل حمص: يا أهل حمص هلمّ إلى أخ لكم ناصح، فلما اجتمعوا حوله قال: ما لكم لا تستحون؟! تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون، وتأملون ما لا تدركون، إن من كان قبلكم بنوا مشيداً، وجمعوا عبيداً، وأملوا بعيداً، فأصبح جمعهم بوراً، وآمالهم غروراً، ومساكنهم قبوراً، فقوله: {بُورًا} أي هلكى.

يعني ليس عندهم ما ينكر إلا ما ذكر، ليس عندهم ما ينكر إلا ما ذكر، وإن كان ما ذكره يعني إنكاره لا شك أنه مزيد في التحري والحرص عليهم، وإن كان في الجملة لا ينكر، يقول: ما لكم لا تستحون، تبنون ما لا تسكنون، من يلوم على البناء اليوم؟ وتجمعون ما لا تأكلون، من يلوم على مثل هذا اليوم؟ وتأملون ما لا تدركون، ثم بعد ذلك بيّن لهم حال من تقدم، بنوا مشيداً، وجمعوا عبيداً، وأملوا بعيداً، فأصبح جمعهم بوراً، يعني هل هذه منكرات تنكر بهذه الطريقة وبهذا الأسلوب على أهل بلدٍ بأكمله يدعوهم ويناديهم ثم يقول لهم ما ذكر؟ وما ذلك إلا لأن المعاصي لم تكن موجودة أو ما وجد منها لم يكن ظاهراً يجاهر به، فالذي ينكر مثل هذه الأمور اليوم مع وجود المنكرات المحققة التي فيها النصوص الصحيحة الصريحة لا شك أن إنكار المنكر الذي فيه مخالفة صريحة للنص هو الذي ينبغي إنكاره، أما مثل هذا فلا يلجأ إلى إنكاره إلا إذا لم يوجد المنكر الذي فيه المخالفة، يعني إنكار بالعموم، وبترك الأولى، ينكر عليهم لأن ما فعلوه خلاف الأولى، لا لأنه محرم، فالذي يبني قصر يقال له: حرام عليك تبني؟ الذي يشيد مسكناً له يرتاح فيه هو وأسرته لا ينكر عليه إلا إذا دخل في حيّز السرف.
وأما بالنسبة لمن جمع ما لا يأكل، جمع الأموال الطائلة على وجهٍ من وجوهها الشرعية، وأنفق منها ما يجب عليه، وادخر الباقي لا يلام إذا لم يحبس ما أوجب الله عليه، لكن هذا من باب الكمال لأولئك الأقوام الذين لا توجد عندهم منكرات، وقد يقال: إن هذا من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، فهؤلاء عندهم سيئات لكن لو كانت عند غيرهم صارت حسنات بالنسبة لهم؛ لأنهم يزاولون منكرات صريحة حرمت بالنصوص كما هو واقع كثير من المسلمين اليوم، والله المستعان.
وفي خبر آخر: فأصبحت منازلهم بوراً: أي خاليةً لا شيء فيها، وقال الحسن {بُورًا} لا خير فيهم، مأخوذ من بوار الأرض وهو تعطيلها من الزرع فلا يكون فيها خير، وقال شهر بن حوشب: البوار الفساد والكساد، مأخوذ من قولهم: بارت السلعة إذا كسدت كساد الفاسد، ومنه الحديث: ((نعوذ بالله من بوار الأيم)).
إيش قال في الحديث؟
طالب: قال: لا أصل له في المرفوع وإنما هو من كلام.......
وهو اسم مصدر كالزور يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث، قال ابن الزبعرى:

يا رسول المليك إن لساني***راتق ما فتقت إذا أنا بورُ
إذا أباري الشيطان في سنن الغي***ومن مال ميله مثبورُ

وقال بعضهم: الواحد: بائر والجمع: بور، كما يقال: عائذ وعوذ، وهائد وهود، وقيل: {بُورًا} عمياً عن الحق، قوله تعالى: {فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ}[(19) سورة الفرقان] أي قول الله تعالى عند تبرئ المعبودين.
{فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ} أي في قولكم إنهم آلهة، {فَمَا تَسْتَطِيعُونَ} يعني الآلهة صرف العذاب عنكم ولا نصركم، وقيل: فما يستطيع هؤلاء الكفار لما كذبهم المعبودون {صَرْفًا} للعذاب {وَلَا نَصْرًا} من الله..
ولا يستطيعون أيضاً تكذيب الآلهة الذين عبدوهم من دون الله، لا يستطيعون تكذيبهم؛ لأنهم هم المعبودون ويدعى فيهم أنهم آلهة فقالوا: لسنا بآلهة، هل يستطيع أحد أن يقول: أنك كذا وأنت تقول: لا، أنا لست بكذا؟ اللهم إلا إذا كان نفي الشيء على سبيل التواضع وهضم النفس، يعني لو قيل: أنت شيخ أو أنت عالم مثلاً، وقال: لا، أنا لست بعالم، يعني إذا كان من هذا الباب يمكن أن يقال: بلى، أما إذا قيل: قالوا هم آلهة، وقول الناس: لسنا بآلهة، هذا لا يمكن نفيه.
وقال ابن زيد: المعنى فقد كذبهم أيها المؤمنون هؤلاء الكفار بما جاء به محمد، وعلى هذا فمعنى {بِمَا تَقُولُونَ}
[(19) سورة الفرقان] بما تقولون من الحق، وقال أبو عبيد: المعني فيما تقولون فما يستطيعون لكم صرفاً عن الحق..
طالب: الآن يا شيخ قراءة تستطيعون؟

قراءة المؤلف غير القراءة التي نعتمدها، الذين أدخلوا القرآن في التفسير أدخلوا القراءة التي تختلف عن قراءة المؤلف، معروف أن القرآن المطبوع مع التفسير هو مصحف فاروق –على ما يقولون- هذا مصحف فاروق وعلى رواية عاصم، والمفسر ماشي على قراءة قالون، فتختلف، ولذلك الذي يطبع الكتب يلزمه أن يتركها على وضعها، ما يدخل فيها شيء لم يدخله المؤلف؛ لأن المؤلف قصداً حَذَفَ، ولذلكم المجلد الأول والثاني من الطبعة الأولى ما فيها آيات، ماشي على وضع المؤلف، ثم بعد ذلك الطبعة الثانية رأوا إدخال الآيات، أدخلوا الآيات من باب التيسير على القارئ، لكن مع ذلك إذا تصرف إنسان في كتاب عليه أن ينظر إلى ما يوافق الكتاب.
يعني لما طبع فتح الباري والأصل أن فتح الباري مجرد عن الأحاديث، طبع معه البخاري، وليتهم إذ تصرفوا وأدخلوا الكتاب وابن حجر قاصد حذف الأحاديث، جاؤوا بالرواية التي توافق ما شرحه الحافظ، ومثل هذا في سبل السلام وغيره من الكتب التي ليس فيها المتن، وأولى من عملهم هذا في الإدخال أن يوضع فوق مثلاً في القرآن فوق يوضع ويوضع خط تحته ثم يذكر التفسير، بمعنى أنه لا يمزج بالتفسير لئلا يوجد اضطراب.
وقال أبو عبيد: المعني فيما تقولون فما يستطيعون لكم صرفاً عن الحق الذي هداكم الله إليه ولا نصراً لأنفسهم مما ينزل بهم من العذاب بتكذيبهم إياكم، وقراءة العامة {بِمَا تَقُولُونَ}[(19) سورة الفرقان] بالتاء على الخطاب وقد بيَّنا معناه، وحكى الفراء أنه يقرأ: (فقد كذبوكم) مخففاً (بما يقولون) وكذا قرأ مجاهد والبزي بالياء، ويكون معنى: (يقولون) بقولهم، وقرأ أبو حيوة بـ (ما يقولون) بياء، (فما تستطيعون) بتاء على الخطاب لمتخذي الشركاء، ومن قرأ بالياء فالمعنى: فما يستطيع الشركاء، {وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ}
[(19) سورة الفرقان] قال بان عباس: من يشرك منكم ثم مات عليه.
والشرك، الشرك ظلم عظيم، كما في قول العبد الصالح لقمان الذي ساقه الله -جل وعلا- في سورته، هنا صرف الظلم إلى الشرك، والشرك – نسأل الله السلامة والعافية – هو الظلم العظيم، وهو الظلم المطلق الذي لا خير معه، {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ}
[(82) سورة الأنعام] قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: بشرك ((ألم تسمعوا قول العبد الصالح: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}[(13) سورة لقمان] ولهذا اقتصر عليه هنا، ودليله جواب الشرط {نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا}[(19) سورة الفرقان] نذقه على سبيل الجواب للشرط، لكن الذي يظلم العباد في أموالهم وفي أعراضهم وفي أبدانهم هذا إن لم يعف الله عنه ويتجاوز عنه ويرضي خصومه ينال مثل هذا الجزاء؛ لأنه متوعد بالعقاب، وعلى كل حال الشرك هو الظلم العظيم بل الأعظم، ثم يليه أنواع من الظلم.
قال بان عباس: من يشرك منكم ثم مات عليه {نُذِقْهُ} أي في الآخرة، {عَذَابًا كَبِيرًا} أي شديداً، كقوله تعالى: {وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا}
[(4) سورة الإسراء] أي شديداً، قوله تعالى: {وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا}[(20) سورة الفرقان] فيه تسع مسائل:
الأولى: قوله تعالى {وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} نزلت جواباً للمشركين حيث قالوا: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ}
[(7) سورة الفرقان]، وقال ابن عباس: لما عير المشركون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالفاقة وقالوا: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ}..الآية حزن النبي -صلى الله عليه وسلم- لذلك، فنزلت تعزيةً له، فقال جبريل -عليه السلام-: السلام عليك يا رسول الله، الله ربك يقرئك السلام ويقول لك: {وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ}[(20) سورة الفرقان] أي يبتغون المعايش في الدنيا.
يعني كغيرهم من البشر، فهم بشر ينتابهم ما ينتاب البشر، ويحتاجون ما يحتاج إليه البشر.
الثانية: قوله تعالى: {إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ}
[(20) سورة الفرقان] إذا دخلت اللام لم يكن في (إن) إلا الكسر، ولو لم تكن اللام ما جاز أيضاً إلا الكسر؛ لأنها مستأنفة.
إذا دخلت اللام وهي تفيد التأكيد لم يكن إلا الكسر –كسر النون التي تكون للتأكد المحض- أما لو دخلت اللام وفتحت الهمزة –همزة أن- صار فيه شيء من التنافر، تأكيد وعدم تأكيد، فلا بد من أن يتسق الحرف مع جوابه.
هذا قول جميع النحويين، قال النحاس: إلا أن علي بن سليمان حكى لنا عن محمد بن زيد قال: يجوز في (إنّ) هذه الفتح وإن كان بعدها اللام وأحسبه وهماً منه، قال أبو إسحاق الزجاج: وفي الكلام حذف والمعنى (وما أرسلنا قبلك رسلاً إلا إنهم ليأكلون الطعام) ثم حذف رسلاً؛ لأن في قوله: {مِنَ الْمُرْسَلِينَ}
[(20) سورة الفرقان] ما يدل عليه، فالموصوف محذوف عند الزجاج، ولا يجوز عنده حذف الموصول وتبقية الصلة كما قال الفراء، قال الفراء: والمحذوف (من) والمعنى: (إلا من إنهم ليأكلون الطعام) وشبهه بقوله: {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ}[(164) سورة الصافات]، وقوله: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا}[(71) سورة مريم] أي: ما منكم إلا من هو واردها، وهذا قول الكسائي أيضاً، وتقول العرب: ما بعثت إليك من الناس إلا من إنه ليطيعك، فقولك: إنه ليطيعك صلة (مِن)..
صلة (مَن) التي هي الموصول.
صلة (مَن)، قال الزجاج: هذا خطأ لأن (مَن) موصلة فلا يجوز حذفها، وقال أهل المعاني: المعنى: (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا قيل إنهم ليأكلون) دليله قوله تعالى: {مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ}
[(43) سورة فصلت].
أما قوله: لا يجوز حذف الموصول فقد جاء ما يدل على حذفه، كما في قول الشاعر:
أمنتِ وهذا تحملين طليق.
يعني وهذا الذي تحملينه طليقُ، حذف الموصول هنا لدلالة السياق عليه.
وقال ابن الأنباري كسرت {إِنَّهُمْ} بعد (إلا) للاستئناف بإضمار واو: أي إلا وإنهم، وذهبت فرقة إلى أن قوله: {لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ}
[(20) سورة الفرقان] كناية عن الحدث.
نعم، ليس المقصود الطعام نفسه، وإنما هو كناية لما يعقبه من الحدث؛ لأنه قد يقال: هذا نبي مرسل من قبل الله -جل وعلا- فإذا افترضنا أنه يأكل مثلما يأكل الناس لكن كيف يتصرف هذا الأكل بعد ذلك، وهذا نقص ولا شك أن هذا باعتباره بشر هو مثل البشر يأكل وينتج منه ما ينتج من غيره، فهو كناية عن الحدث، هم لا يريدون الأكل لذاته؛ لأن الأكل لا عيب فيه، اللهم إلا من جهة الحاجة إليه، والرسول على حد زعمهم ينبغي أن لا يكون محتاجاً، فبيّن الله -جل وعلا- {إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ}
[(20) سورة الفرقان] ومع ذلك يلزم منهم ما يلزم غيرهم من الفضلة.
قلت: وهذا بليغ في معناه، ومثله {مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ}
[(75) سورة المائدة]، {وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ}[(20) سورة الفرقان] قراءة الجمهور {يَمْشُونَ} بفتح الياء وسكون الميم وتخفيف الشين، وقرأ علي وابن عوف وابن مسعود بضم الياء وفتح الميم وشد الشين المفتوحة بمعنى يدعون إلى المشي ويحملون عليه، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي بضم الياء وفتح الميم وضم الشين المشددة، وهي بمعنى: يمشون، قال الشاعر:

ومشَّى بأعطان المباءة وابتغى***قلائص منها صعبة وركوب

وقال كعب بن زهير:

منه تظل سباع الجو ضامرة***ولا تمشِّي بواديه الأراجيل

بمعنى: تمشي.
الثالثة: هذه الآية أصل في تناول الأسباب، وطلب المعاش بالتجارة والصناعة وغير ذلك، وقد مضى هذا المعنى في غير موضع، لكنا نذكر هنا من ذلك ما يكفي فنقول: قال لي بعض مشايخ هذا الزمان في كلام جرى: إن الأنبياء -عليهم السلام- إنما بعثوا ليسنوا الأسباب للضعفاء، فقلت مجيباً له: هذا قول لا يصدر إلا من الجهال والأغبياء والرعاع السفهاء، أو من طاعن في الكتاب والسنة العلياء، وقد أخبر الله تعالى في كتابه عن أصفيائه ورسله وأنبيائه بالأسباب والاحتراف، فقال وقوله الحق: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ}
[(80) سورة الأنبياء] وقال: {وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ}[(20) سورة الفرقان] قال العلماء: أي يتجرون ويحترفون، وقال -عليه الصلاة والسلام-: ((جعل رزقي تحت ظل رمحي)) وقال تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا}[(69) سورة الأنفال]، وكان الصحابة -رضي الله عنهم- يتجرون ويحترفون، وفي أموالهم يعملون، ومن خالفهم من الكفار يقاتلون، أتراهم ضعفاء؟! بل هم كانوا -والله- الأقوياء، وبهم الخلف الصالح اقتدى، وطريقهم فيه الهدى والاهتداء، قال: إنما تناولها لأنهم أئمة الاقتداء فتناولها مباشرة في حق الضعفاء، فأما في حق أنفسهم فلا، وبيان ذلك أصحاب الصفة.
يريد أن الأنبياء –هذا القائل المدعي الشيخ- يريد أن الأنبياء لا يتناولون أسباباً من أجلهم، وإلا لو كان المقصود هم ما تناولوا الأسباب؛ لأن الله يكفيهم ما يريدون ويحتاجون، وإنما يفعلون الأسباب من أجل الضعفاء ليقتدوا بهم، طيب كبار الصحابة وسادات الأمة، أبو بكر وعمر، هل يصنفون من الضعفاء أو من الأقوياء؟ لا شك أنهم من الأقوياء وليسوا من الضعفاء، من الجلة، من السادة، فليسوا من الضعفاء، وهم يقتدون بنبيهم -عليه الصلاة والسلام- في ذلك، يقول: حتى هؤلاء الأقوياء إنما يعملون من أجل الضعفاء، ويتسلسل الأمر والكلام لا وجه له، بل هم مطالبون ببذل الأسباب كغيرهم.
قلت: لو كان ذلك لوجب عليهم وعلى الرسول معهم البيان كما ثبت في القرآن {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}
[(44) سورة النحل] وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى}[(159) سورة البقرة]..الآية، وهذا من البيان والهدى، وأما أصحاب الصفة فإنهم كانوا ضيف الإسلام عند ضيق الحال، فكان -عليه السلام- إذا أتته صدقة خصَّهم بها، وإذا أتته هدية أكلها معهم، وكانوا مع هذا يحتطبون ويسوقون الماء إلى أبيات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذا وصفهم البخاري وغيره، ثم لما افتتح الله عليهم البلاد، ومهّد لهم المهاد، تأمروا، وبالأسباب أمروا، ثم إن هذا القول يدل على ضعف النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه؛ لأنهم أيدوا بالملائكة وثبَّتوا بهم فلو كانوا أقوياء ما احتاجوا إلى تأييد الملائكة، وتأييدهم إذ ذلك سبب من أسباب النصر، نعوذ بالله من قول وإطلاق يؤول إلى هذا، بل القول بالأسباب والوسائط سنة الله وسنة رسوله وهو الحق المبين، والطريق المستقيم، الذي انعقد عليه إجماع المسلمين، وإلا كان يكون قوله الحق: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ}[(60) سورة الأنفال]..الآية، مقصوراً على الضعفاء، وجميع الخطابات كذلك، وفي التنزيل حيث خاطب موسى الكليم: {اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ}[(63) سورة الشعراء] وقد كان قادراً على فلق البحر دون ضرب عصا، وكذلك مريم -عليها السلام-: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ}[(25) سورة مريم] وقد كان قادراً على سقوط الرطب دون هزٍّ ولا تعب، ومع هذا كله فلا ننكر أن يكون رجل يُلطف به ويعان، أو تجاب دعوته، أو يكرمه بكرامةٍ في خاصة نفسه، أو لأجل غيره، ولا نهد لذلك القواعد الكلية والأمور الجَمِلية.
الجُمْلِية.
ولا نهد لذلك القواعد الكلية والأمور الجُمْلِية، هيهات هيهات..
يبقى أن الأصل هو فعل الأسباب، وأن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، لا بد من بذل الأسباب، لكن كون هذه العادة المضطردة قد تُخرق لبعض الناس فيحصل له رزق بدون سبب، هذا لا شك أنه على خلاف الأصل إنما وجد لحاجة لنفس من حصلت على يديه، أو لتثبيت من يتبعه من أجل أن تُصدّق دعوته، وهذه الأمور التي تخرق العادات إن اقترنت بدعوى النبوة فهي المعجزة، وإن كانت على يد من هو على سنن الكتاب والسنة -على الجادة- فهي الكرامة وإلا فهي من الخوارق الشيطانية التي تحصل على يد بعض الناس مع مخالفتهم للكتاب والسنة من أجل الابتلاء بهم والامتحان، والله المستعان.
هيهات هيهات، لا يقال: فقد قال الله تعالى: {وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}
[(22) سورة الذاريات] فإنا نقول: صدق الله العظيم، وصدق رسوله الكريم، وأن الرزق هنا المطر بإجماع أهل التأويل، بدليل قوله: {وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاء رِزْقًا}[(13) سورة غافر] وقال: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ}[(9) سورة ق] ولم يشاهد ينزل من السماء على الخلق أطباق الخبز ولا جفان اللحم، بل الأسباب أصل في وجود ذلك، وهو معنى قوله -عليه السلام-: ((اطلبوا الرزق في خبايا الأرض)) أي بالحرث والحفر والغرس.
إيش قال عنه؟
طالب: قال: واهٍ بمرة، أخرجه أبو يعلى والديلمي وابن حبان في المجروحين من حديث عائشة ومداره على هشام بن عبد الله قال ابن حبان: يروي ما لا أصل له، وقال النسائي: هذا حديث منكر، وقال ابن الجوزي: قال ابن طاهر: لا أصل له، إنما هو من كلام عروة، والألباني في الضعيفة قال منكر.
وقد يسمى الشيء بما يؤول إليه، وسمي المطر رزقاً لأنه عنه يكون الرزق، وذلك مشهور في كلام العرب، وقال -عليه السلام-: ((لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يسأل أحداً أعطاه أو منعه)) وهذا فيما خرج من غير تعب من الحشيش والحطب، ولو قدِّر رجل بالجبال منقطعاً عن الناس لما كان له بد من الخروج إلى ما تخرجه الآكام، وظهور الأعلام حتى يتناول من ذلك ما يعيش به، وهو معنى قوله -عليه السلام-: ((لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً)) فغدوُّها ورواحها سبب.

يعني ما قال: تجلس في أوكارها، مع هذا التوكل العظيم ما قال: تجلس في أوكارها وترزق، نعم إذا عطّلت هذه الطيور أو غير الطيور مما تبذل به السبب، لو افترضها أن طائر ليس له جناح فلا يستطيع الطيران وليس له ما يتسبب به، فقد وجد في بعض الأحوال أن الله -جل وعلا- يهيئ له ويسبب له ما يقتات منه، ولو لم يتسبب هو؛ لأنه محروم مما يتسبب به.
وقصص في كتب العلماء كثيرة بأن الطائر الفلاني لا يطير مثلاً وأعمى لا يرى، أو الحيوان الفلاني يؤتى له بما يتغذى به، أو يأتيه رزقه في مكانه، كما أنه حصل مثل هذا لبعض الأولياء، أولياء الله -جل وعلا-، كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقاً، وإلا فالأصل أن بذل السبب هو السنة الإلهية.
فغدوُّها ورواحها سبب، فالعجب العجب ممن يدعي التجريد والتوكل على التحقيق، ويقعد على ثنيات الطريق، ويدع الطريق المستقيم، والمنهج الواضح القويم.
هذا يجلس يتكفف الناس ويسألهم وهذا ليس من التوكل، إنما هو من التأكل، كما قال الإمام أحمد -رحمه الله-، هو مع ذلك بذل السبب ولم يتوكل، يعني بذل سبب غير شرعي، لكن لو بذل السبب الشرعي؛ لأن تكفف الناس وسؤال الناس منهي عنه، هو تسبب وبذل هذا السبب وفي زعمه أنه معطل للأسباب توكلاً على الله -جل وعلا-، نقول: نعم، أنت عطلت الأسباب المشروعة، وسلكت أسباب ممنوعة، فبدلا ًمن أن تعمل وتشتغل وتكدح من أجل طلب الرزق جلست تتكفف الناس وهذا سبب، يعني هلا جلست في بيتك لترى هل ينزل عليك شيء من السماء كرامةً لك أو لا؟ أنت جلست في طريق الناس تسألهم وتتكففهم، وهذا سبب إلا أنه غير شرعي إلا عند الانقطاع وبذل الأسباب، وعدم حصول ما تقوم به الحياة حينئذٍ يباح لك أن تسأل الناس.
ثبت في البخاري عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجُّون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: {وَتَزَوَّدُواْ}
[(197) سورة البقرة] ولم ينقل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضوان الله عليهم- أنهم خرجوا إلى أسفارهم بغير زاد، وكانوا المتوكلين حقاً، والتوكل اعتماد القلب على الرب في أن يلم شعثه، ويجمع عليه أربه، ثم يتناول الأسباب بمجرد الأمر، وهذا هو الحق، سأل رجل الإمام أحمد بن حنبل فقال: إني أريد الحج على قدم التوكل، فقال: اخرج وحدك فقال: لا إلا مع الناس، فقال له: أنت إذن متكل على أجربتهم.
والأجربة جمع جراب وهو الذي يوضع فيه المتاع، فهو متوكل على هذه الأجربة، وما فيها من أمتعة، فلا شك أن الأسباب تعطيلها خلل في العقل، والاعتماد عليها خلل في الشرع، يعني ضعف في الديانة، الاعتماد عليها دون الله -جل وعلا-، وكونها مؤثرة هي مؤثرة لكن ليست بذاتها، خلاف المعتزلة الذين يقولون: أن الأسباب مؤثرة بذاتها ولا معطلة عن التأثير كما يقول الأشعرية، بل هي مؤثرة والذي جعل فيها التأثير هو الله -جل وعلا-.
وقد أتينا على هذا في كتاب (قمع الحرص بالزهد والقناعة، وردِّ ذل السؤال بالكسب والصناعة).
الرابعة: خرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها)) وخرج البزار عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان، وبها ينصب رايته)) أخرجه أبو بكر البرقاني مسنداً عن أبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من رواية عاصم عن أبي عثمان النهدي عن سلمان قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فبها باض الشيطان وفرخ))

عاصم بن أبي النجود؟
طالب: الحديث الذي قبله، قال المحقق: أخرجه الطبراني في الكبير، والخطيب وابن حبان في المجروحين، وابن الجوزي في الواهيات، من حديث سلمان وأعله ابن الجوزي بيزيد بن سفيان، وقال: هذا حديث لا يصح، قال ابن حبان: يزيد ....... عن سليمان التيمي نسخة مكذوبة، الخ كلامه، ثم عزاه إلى الإمام مسلم، والحديث في صحيح مسلم.
في صحيح مسلم؟ مفروغ منه، ما قال في الحديث الأول صحيح؟ لكن: ((لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها))
طالب: حديث: ((لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق...)) هذا المحقق ما عزاه إلى مسلم، وهو في صحيح مسلم.
لا لا، أحب البلاد إلى الله مساجدها، هذا الذي في صحيح مسلم.
طالب: وهذا في صحيح مسلم أيضاً.
أيه؟
طالب: حديث: ((لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان وبها ينصب رايته)) في صحيح مسلم...... ...... رقم مائة، في فضائل أم سلمة.
إذن خرجه هو والبزار، يعني مسلم والبزار، كأنها سقطت سهواً.
طالب: موجود في رياض الصالحين وعزاه النووي إلى مسلم.
والثاني الأخير؟
طالب: الثاني قال: هذه الرواية عند الطبراني فقط.
ففي هذه الأحاديث ما يدل على كراهة دخول الأسواق لا سيما في هذه الأزمان التي يخالط فيها الرجال النسوان..
في هذه الأزمان يعني في القرن السابع، فكيف لو رأى ما عليه الحال في أسواق المسلمين اليوم؟ والله المستعان.
وهكذا قال علماؤنا: لما كثر الباطل في الأسواق، وظهرت فيها المناكر كُره دخولها لأرباب الفضل، والمقتدى بهم في الدين؛ تنزيهاً لهم عن البقاع التي يعصى الله فيها.
هذا مع عدم الإنكار، هذا إذا لم يمكن الإنكار، أما مع وجود الإنكار وتخفيف المنكرات فيتعين على بعض الناس أن يدخل لينكر وليغير المنكر، نعم وهذا فرض كفاية على الأمة، تغيير المنكر لا بد منه ((من رأى منكم منكراً فليغيره)) ولو هجرت هذه الأماكن وتركت للأشرار لاستفحل أمرها، وزاد شرها، ثم بعد ذلك لا يستطاع إنكارها، والله المستعان.
طالب: التجول في السوق بلبس البشت.......؟
لا بد من الإنكار، إذا رؤي المنكر لا بد أن يغير باليد إن أمكن وإلا فباللسان، بعض الإخوان يقول: لو -وهذا مجرب- يعني لو أن الإنسان الذي هيأته حسنة، لحيته مثلاً وافية، ومنظره جميل شرعي، ثوبه قصير ولحيته وافية، ولباسه يعني مناسب، ولو لم يتكلم يغشى هذا الأماكن يحصل خير في مجرد مروره لا سيما في المحافل التي تُغلق بالأبواب كالمستوصفات وما أشبهها يعني مجرد دخوله ومروره بالسيب وخروجه يوجد رعب في قلوبهم، والذي عنده نية شر ينكف عنها، وإلا ففيها شر مستطير، هذه المستوصفات لا سيما الأهلية فيها شر، نسأل الله السلامة والعافية؛ لأنه يفسح لبعض الناس وهم ليسوا بأكفاء وليسوا على قدرٍ من الديانة ما يردعهم عن مزاولة بعض المنكرات، وتعرفون أن الأماكن التي يختلط فيها الرجال والنساء تزداد فيها الشرور –نسأل الله السلامة-.
فحق على من ابتلاه الله بالسوق أن يخطر بباله أنه قد دخل محل الشيطان، ومحل جنوده، وأنه إن أقام هناك هلك، ومن كانت هذه حاله اقتصر منه على قدر ضرورته، وتحرز من سوء عاقبته وبليته.
الخامسة: تشبيه النبي -صلى الله عليه وسلم- السوق بالمعركة تشبيه حسن، وذلك أن المعركة موضع القتال سمي بذلك؛ لتعارك الأبطال فيه، ومصارعه بعضهم بعضاً، فشبَّه السوق وفعل الشيطان بها، ونيله منهم مما يحملهم من المكر والخديعة، والتساهل في البيوع الفاسدة، والكذب والأيمان الكاذبة، واختلاط الأصوات وغير ذلك، بمعركة الحرب ومن يصرع فيها.

السادسة: قال ابن العربي: أما أكل الطعام فضرورة الخلق لا عار ولا درك فيه، وأما الأسواق فسمعت مشيخة أهل العلم يقولون: لا يدخل إلا سوق الكتب والسلاح، وعندي أنه يدخل كل سوق للحاجة إليه ولا يأكل فيها؛ لأن ذلك إسقاط للمروءة وهدم للحشمة، ومن الأحاديث الموضوعة: ((الأكل في السوق دناءة)).
قال بعضهم لا يدخل السوق إلا سوق الكتب والسلاح، يعني ما يدخل إلا سوق الكتب ليشتري من الكتب ما يفيد منه لا سيما إذا كان ممن ينتسب إلى طلب العلم، وكذلك السلاح الذي يحتاجه لقتال عدوه، وهناك أيضاً أمور يحتاج إليها أكثر من حاجته إلى الكتب والسلاح، كالطعام والشراب واللباس وغير ذلك، فيدخل من الأسواق ما يحتاج إليه، فخلاف ما لا يحتاج إليه إلا بنيّة الإنكار، إذا دخل هذه الأسواق بنية الإنكار فهو مأجور على هذا -إن شاء الله تعالى-.
قلت: ما ذكرته مشيخة أهل العلم فنعمَّا هو، فإن ذلك خال عن النظر إلى النسوان ومخالطتهن، إذ ليس بذلك من حاجتهن.
لكن الآن صار من حاجتهن، المكتبات الآن تعجّ بالنساء، مملوءة بالنساء، ووضع لهن أيام يدخلن المكتبات، بل وضع للأسر والعوائل وجلّ النساء لسن من أهل الكتب، ويكفيهن من ذلك البلغة، لكن كثير منها تتذرع بالخروج إلى المكتبة، وهي تذهب للتمشية والفرجة –والله المستعان-.
إذ ليس بذلك من حاجتهن وأما غيرهما من الأسواق فمشحونة منهن، وقلة الحياة قد غلبت عليهن، حتى ترى المرأة في القيساريات وغيرهن قاعدةً متبرجةً بزينتها، وهذا من المنكر الفاشي في زماننا هذا -نعوذ بالله من سخطه-.
هذا منذ أكثر من سبعمائة عام، وإلى عهدٍ قريب وخروج النساء يسير وقليل جداً بالنسبة إلى ما يوجد اليوم امتثالاً لقول الله -جل وعلا-: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}
[(33) سورة الأحزاب] ومع ذلك إذا خرجت المرأة سواء كانت في العهد القريب الذي أدركناه أو كان على عهد المؤلف لا شك أن هذه الملابس التي تفتن الرائي غير موجودة عندهم؛ لأن اللباس يتطور ما هو... يعني لا تتصور أن لباساً قبل سبعمائة سنة مثل لباس اليوم؟ حتى ولو مثل لباس قبل أربعين وخمسين سنة الذي يوجد في بلادنا وفي غيرها من البلدان.
المقصود أن اللباس يتطور ويخشى أن يزيد تطوره على حد زعمهم إلى أن يصل إلى لا شيء، وكثير من نساء المسلمين الآن في أسواقهم وفي محافلهم تمشي كاسيةً عارية –نسأل الله السلامة والعافية-، وبعض النساء بلباسها أشد فتنةً من عدمه، وهذا القرطبي يتوجّع مما حصل في زمانه قبل سبعمائة سنة، فكيف لو رأى ما عليه نساء المسلمين اليوم حتى من نساء من ينتسب إلى العلم، أو منهن من تنتسب إلى العلم؟ فكيف إذا كان هذا موجوداً في أقدس البقاع، يعني في الحرمين وما حواليهما وفي المساجد، وقد تأتي المرأة لصلاة التهجد في العشر الأواخر ومع ذلك متبرجة ومتطيبة ومع سائقٍ أجنبي، هذا تناقض وتنافر شديد، لو جلست في بيتها ولم تصل كان أفضل لها، فكيف إذا صلت في بيتها وبيتها خير لها –والله المستعان-.
السابعة: خرج أبو داود الطيالسي في مسنده، حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير عن سالم عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال: ((من دخل سوقاً من هذه الأسواق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، وبنى له قصراً في الجنة)) خرجه الترمذي أيضاً وزاد بعد: ((ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة، وبنى له بيتاً في الجنة)) وقال: هذا حديث غريب.
هذا حديث السوق مضعف عند أهل العلم، أكثر أهل العلم على تضعيفه، وبعضهم يجعله من قبيل الحسن، لا سيما في مثل هذا الباب الذي هو باب الترغيب لا يشتمل على حكم شرعي، وإنما هو من باب الفضائل التي يقبل فيها مثل هذا عند الجمهور.
قال ابن العربي: وهذا إذا لم يقصد في تلك البقعة سواه؛ ليعمرها بالطاعة إذ عمرت بالمعصية، وليحليها بالذكر إذا عطلت بالغفلة، وليعلم الجهلة، ويذكر الناسين.
الثامنة: قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ}
[(20) سورة الفرقان] أي إن الدنيا دار بلاء وامتحان، فأراد سبحانه أن يجعل بعض العبيد فتنةً لبعض على العموم في جميع الناس، مؤمن وكافر، فالصحيح فتنة للمريض، والغني فتنة للفقير، والفقير الصابر فتنة للغني، ومعنى هذا أن كل واحدٍ مختبر بصاحبه، فالغني ممتحن بالفقير عليه أن يواسه ولا يخسر منه، والفقير ممتحن بالغني عليه ألا يحسده ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق كما قال الضحاك في معنى: {أَتَصْبِرُونَ} أي على الحق، وأصحاب البلايا يقولون: لمَ لمْ نعاف؟ والأعمى يقول: لمَ لمْ أجعل كالبصير؟ وهكذا صاحب كل آفة، والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس من الكفار في عصره، وكذلك العلماء وحكام العدل، ألا ترى إلى قولهم: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}[(31) سورة الزخرف]
يعني من مكة أو الطائف، من القريتين مكة أو الطائف ويعنون بذلك أبا جهل وعروة بن مسعود الثقفي، يقترحون على الله -جل وعلا- أن لو أرسل بدل محمد -عليه الصلاة والسلام- من هذه القريتين رجل عظيم لا رجل يتيم، لكن الله أعلم حيث يجعل رسالته، وأما بالنسبة للابتلاء، ابتلاء الناس بعضهم ببعض فهذا ظاهر، فالفقير مبتلى بالغني، فعليه ألا يحسده ولا يسعى في ضره، وكذلك الغني مبتلى بالفقير كما قال المؤلف عليه أن يواسيه من ماله ولا يبخل عليه، وكذلك العالم بالطالب، والطالب بالعالم، وكل نوعين متضادين مبتلىً بعضهما ببعض، ولكل منهما ما يخصه من خطاب الشرع.
فالفتنة أن يحسد المبتلى المعافى، ويحقر المعافى المبتلى، والصبر: أن يحبس كلاهما نفسه هذا عن البطر وذاك عن الضجر، {أَتَصْبِرُونَ} محذوف الجواب يعني أم لا تصبرون؟ فيقتضي جواباً كما قاله المزني، وقد أخرجته الفاقة فرأى خصياً في مراكب ومناكب فخطر بباله شيء فسمع من يقرأ الآية: {أَتَصْبِرُونَ} فقال: بلى ربنا نصبر ونحتسب، وقد تلا ابن القاسم صاحب مالك هذه الآية حين رأى أشهب بن عبد العزيز في مملكته عابراً عليه، ثم أجاب نفسه بقوله: سنصبر.
وعن أبي الدرداء أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((ويل للعالم من الجاهل، وويل للجاهل من العالم، وويل للمالك من المملوك، وويل للمملوك من المالك، وويل للشديد من الضعيف، وويل للضعيف من الشديد، وويل للسلطان من الرعية، وويل للرعية من السلطان، وبعضهم لبعض فتنة، وهو قوله: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا}
[(20) سورة الفرقان])) أسنده الثعلبي، تغمده الله برحمته.
إيش قال؟
طالب: قال: عزاه المصنف -رحمه الله- للثعلبي عن أبي الدرداء مرفوعاً، وأخرجه أبو نعيم بهذا التمام على التقديم والتأخير، وأبو يعلى من حديث أنس وإسناده منقطع، والأعمش لم يسمع من أنس -رضي الله عنه- فالإسناد ضعيف، والأشبه فيه الوضع، وهو في ضعيف الجامع.
وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل بن هشام والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وعقبة بن أبي معيط و عتبة بن ربيعة والنضر بن الحارث حين رأوا أبا ذر وعبد الله بن مسعود وعماراً وبلالاً وصهيباً وعامر بن فهيرة، وسالماً مولى أبي حذيفة، ومهجعاً مولى عمر بن الخطاب، وجبراً مولى الحضرمي، وذويهم فقالوا على سبيل الاستهزاء: أنسلم فنكون مثل هؤلاء؟ فأنزل الله تعالى يخاطب هؤلاء المؤمنين: {أَتَصْبِرُونَ} على ما ترون من هذه الحال الشديدة والفقر؟ فالتوقيف بـ{أَتَصْبِرُونَ} خاص للمؤمنين المحقين من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- كأنه جعل إمهال الكفار والتوسعة عليهم فتنة للمؤمنين أي اختباراً لهم ولما صبر المسلمون أنزل الله فيهم: {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا}
[(111) سورة المؤمنون].
التاسعة: قوله تعالى: {وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا}
[(20) سورة الفرقان] أي بكل امرئ وبمن يصبر أو يجزع، وبمن يؤمن ومن لا يؤمن، وبمن أدى ما عليه من الحق ومن لا يؤدي، وقيل: {أَتَصْبِرُونَ} أي اصبروا، مثل: {فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}[(91) سورة المائدة] أي انتهوا، فهو أمر للنبي -صلى الله عليه وسلم- بالصبر، قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا}[(21) سورة الفرقان] يريد لا يخافون البعث ولقاء الله، أي لا يؤمنون بذلك، قال:

إذا لسعته النحل لم يرج لسعها***وخالفها في بيت نوب عواملُ

وقيل: {لَا يَرْجُونَ}[(21) سورة الفرقان] لا يبالون، قال:

لعمرك ما أرجو إذا كنت مسلماً***على أي جنب كان في الله مصرعي

بمناسبة ذكر النحل ولسع النحل مع الصبر، الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- وهو في صلاته لسعته نحلة في بضعة عشر موضعاً من جسده وهو يصلي وما شعر بذلك، لم يشعر بذلك ممن حوله أحد، فلما قيل له: لمَ لمْ تقطع صلاتك؟ لأنه لما سلم صار جسده كله متغير، كله أورام من إثر هذه اللسعات فقال: إنه افتتح سورة فكره أن يقطعها، والله المستعان، وواحد من طلاب العلم قطع صلاته من أجل سلك رفيع جداً يتدلى من ثوبه ويمر على رجله، هذه حقيقة ما هي... يعني وجد من الإمام البخاري هذا، ووجد أيضاً مقابله من شخص من طلاب العلم المعروفين يعني ما هو نكرة، سلك رفيع يتدلى من ثوبه ويمس رجله رايح جاي، ظنه حشرة وإلا شيء فقطع صلاته، ولم يتأذى بذلك لكن الله يقول: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى}[(4) سورة الليل].
قال ابن شجرة: لا يأملون، قال:

أترجو أمة قتلت حسينا***شفاعة جدة يوم الحساب

{لَوْلَا أُنزِلَ}[(21) سورة الفرقان] أي هلا أنزل، {عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ} فيخبروا أن محمد صادق، {أَوْ نَرَى رَبَّنَا} عياناً فيخبرنا برسالته، نظيره قوله تعالى: {وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا}[(90) سورة الإسراء] إلى قوله: {أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً}[(92) سورة الإسراء] قال الله تعالى: {لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا} حيث سألوا الله الشطط؛ لأن الملائكة لا ترى إلا عند الموت أو عند نزول العذاب، والله تعالى لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار فلا عين تراه.
يعني في الدنيا، وأما في الآخرة فالمؤمنون يرون ربهم -جل وعلا-، {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ}
[(103) سورة الأنعام] يعني لا تحيط به، وهذا في الدنيا كما هو معلوم، وحمله على الآخرة متجه؛ لأن الإدراك قدر زائد على مجرد الرؤية، الإدراك المراد به الإحاطة من جميع الجهات.
وقال مقاتل: {عُتُوًّا} علواً في الأرض، والعتو: أشد الكفر وأفحش الظلم وإذا لم يكتفوا بالمعجزات، وهذا القرآن فكيف يكتفون بالملائكة؟ وهم لا يميزون بينهم وبين الشياطين، ولا بد لهم من معجزة يقيمها من يدعي أنه ملك، وليس للقوم طلب معجزة بعد أن شاهدوا معجزة، وأن {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ}
[(22) سورة الفرقان] يريد أن الملائكة لا يراها أحد إلا عند الموت، فتبشِّر المؤمنين بالجنة، وتضرب المشركين والكفار بمقامع الحديد حتى تخرج أنفسهم.
{وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا} يريد تقول الملائكة: حراماً محرماً أن يدخل الجنة إلا من قال: لا إله إلا الله، وأقام شرائعها، عن ابن عباس وغيره وقيل: إن ذلك يوم القيامة، قاله مجاهد وعطية العوفي، قال عطية: إذا كان يوم القيامة تلقى المؤمن بالبشرى فإذا رأى ذلك الكافر تمناه فلم يره من الملائكة، وانتصب {يَوْمَ يَرَوْنَ}
[(22) سورة الفرقان] بتقدير لا بشرى للمجرمين يوم يرون الملائكة، و{يَوْمَئِذٍ}[(22) سورة الفرقان] بأكيد لـ{يَوْمَ يَرَوْنَ}[(22) سورة الفرقان] قال النحاس: لا يجوز أن يكون {يَوْمَ يَرَوْنَ} منصوبا بـ{بُشْرَى}[(22) سورة الفرقان] لأن ما في حيِّز النفي لا يعمل فيما قبله، ولكن فيه تقدير أن يكون المعنى يمنعون البشارة يوم يرون الملائكة، ودل على هذا الحذف ما بعده، ويجوز أن يكون التقدير: لا بشرى تكون يوم يرون الملائكة، و{يَوْمَئِذٍ} مؤكد، ويجوز أن يكون المعنى: اذكر يوم يرون الملائكة، ثم ابتدأ فقال: {لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا}[(22) سورة الفرقان] أي وتقول الملائكة: حراماً محرماً أن تكون لهم البشرى إلا للمؤمنين، قال الشاعر:

ألا أصبحت أسماء حجراً محرماً***وأصبحت من أدنى حموتها حما

أراد: ألا أصبحت أسماء حراماً محرماً، وقال آخر:

حنت إلى النخلة القصوى فقالت لها***حجر حرام ألا تلك الدهاريس

وروي عن الحسن أنه قال: {وَيَقُولُونَ حِجْرًا}[(22) سورة الفرقان] وقف من قول المجرمين، فقال الله -عز وجل-: {مَّحْجُورًا}[(22) سورة الفرقان] عليهم أن يعانوا أو يجاروا فحجر الله ذلك عليهم يوم القيامة، والأول قول ابن عباس، وبه قال الفراء، قاله ابن الأنباري، وقرأ الحسن وأبو رجاء: (حُجراً) بضم الحاء، والناس على كسرها، وقيل: إن ذلك من قول الكافر قالوه لأنفسهم قاله قتادة فيما ذكر الماوردي، وقيل: هو قول الكفار للملائكة، وهي كلمة استعانة، وكانت معروفةً في الجاهلية، فكان إذا لقي الرجل من يخافه قال: حجراً محجوراً: أي حراماً عليك التعرض لي، وانتصابه على معنى: حجرت عليك أو حجر الله عليك كما تقول: سقياً ورعياً: أي إن المجرمين إذا رأوا الملائكة يلقونهم في النار قالوا: نعوذ بالله منكم، ذكره القشيري وحكى معناه المهدوي عن مجاهد.
وقيل: {حِجْرًا} من قول المجرمين و{مَّحْجُورًا} من قول الملائكة: أي قالوا للملائكة: نعوذ بالله منكم أن تتعرضوا لنا، فتقول الملائكة: {مَّحْجُورًا} أن تعاذوا من شر هذا اليوم قاله الحسن، قوله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ}
[(23) سورة الفرقان] هذا تنبيه على عظم قدر يوم القيامة، أي قصدنا في ذلك إلى ما كان يعمله المجرمون من عمل برٍ عند أنفسهم، يقال: قدم فلان إلى أمر كذا: أي قصده، وقال مجاهد: {قَدِمْنَا}[(23) سورة الفرقان] أي عمدنا، وقال الراجز:

وقدم الخوارج الضلال إلى***عباد ربهم فقالوا إن دماءكم لنا حلالُ

وقيل: هو قدوم الملائكة أخبر به عن نفسه تعالى.
{وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا}
[(23) سورة الفرقان] وذلك لتخلف الشرط - شرط القبول- وهو الإيمان، إذا تخلف الشرط ما نفع العمل، وقد يجازون عليه في دنياهم، لكن يومئذٍ –يوم القيامة- لا يجدون ثواباً لعملهم؛ لأنه هباء منثور –نسأل الله السلامة والعافية-.
وقيل: هو قدوم الملائكة أخبر به عن نفسه تعالى فاعله، {فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا} أي لا ينتفع به أي: أبطلناه بالكفر، وليس {هَبَاء} من ذوات الهمز، وإنما همزت لالتقاء الساكنين، والتصغير هُبَيّ في موضع الرفع، ومن النحويين من يقول: هُبَيٍّ في موضع الرفع حكاه النحاس، وواحده هباة، والجمع أهباء، قال الحارث بن حلزة يصف ناقة:

فترى خلفها من الرجع والوقع***منيناً كأنه أهباءُ

وروى الحارث عن علي قال: الهباء المنثور شعاع الشمس الذي يدخل من الكوة، وقال الأزهري: الهباء ما يخرج من الكوة في ضوء الشمس شبيه بالغبار، تأويله: إن الله تعالى أحبط أعمالهم حتى صارت بمنزلة الهباء المنثور، فأما الهباء المنبث فهو ما تثيره الخيل بسنابكها من الغبار، والمنبث المتفرق، وقال ابن عرفة: الهبوة والهباء: التراب الدقيق، قال الجوهري: ويقال له إذا ارتفع: هبا يهبو هبواً وأهبيته أنا، والهبوة: الغبرة، قال رؤبة:

تبدو لنا أعلامه بعد الغرق***في قطع الآل وهبوات الدققُ

وموضع هابي التراب: أي كأن ترابه مثل الهباء في الرقة، وقيل: إنه ما ذرته الرياح من يابس أوراق الشجر، قاله قتادة وابن عباس، وقال ابن عباس أيضاً: إنه الماء المهراق، وقيل: إنه الرماد، قاله عبيد بن يعلى.
الماء المهراق، تنتهي ماليته إذا أهريق لا يستفاد منه، وكذلك الرماد الذي تذروه الرياح لا يستفاد منه، وكذلك عمل الكافر الذي تخلف شرطه وهو الإيمان لا يستفيد منه.
قوله تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا}
[(24) سورة الفرقان] تقدم القول فيه عند قوله تعالى: {قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ}[(15) سورة الفرقان] قال النحاس: والكوفيون يجيزون (العسل أحلى من الخل) وهذا قول مردود؛ لأن معنى فلان خير من فلان أنه أكثر خيراً منه ولا حلاوة في الخل، ولا يجوز أن يقال: النصراني خير من اليهودي؛ لأنه لا خير فيهما، فيكون أحدهما أزيد في الخير، لكن يقال: اليهودي شر من النصراني، فعلى هذا كلام العرب.
مقتضى أفعل التفضيل أن يكون الأمران قد اشتركا في وصفٍ واحد، وفاق أحدهما الآخر في ذلك الوصف، فإذا قلت: النصراني خير من اليهودي أثبت الخير للطرفين، لكن النصراني نصيبه من هذا الخير أكثر من نصيب اليهودي، فهذا التعبير ليس بصحيح، أما إذا قلت: اليهودي شر من النصراني فهذا تعبير صحيح؛ لأنك أثبت الوصف للفريقين، وأثبت أن اليهودي أدخل في هذا الوصف وأعظم شراً، وهنا {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا}
[(24) سورة الفرقان] ليست على بابها، فأفعل التفضيل ليست على بابها، أهل الجنة بخير وأهل النار ليس لديهم خير بالكلية، فأفعل التفضيل ليست على بابها –والله المستعان-.
و{مُّسْتَقَرًّا} نصب على الظرف إذا قدر على غير باب (أفعل منك) والمعنى: لهم خير في مستقر، وإذا كان من باب (أفعل منك) فانتصابه على البيان، قاله النحاس والمهدوي، قال قتادة: {وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} منزلاً ومأوى، وقيل: هو على ما تعرفه العرب من مقيل نصف النهار، ومنه الحديث المرفوع: ((إن الله -تبارك وتعالى- يفرغ من حساب الخلق في مقدار نصف يوم، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار)) ذكره المهدوي.
يعني مقدار صف يوم من أيام الآخرة، مقداره نصف يوم من أيام الآخرة، ومنتصف اليوم هو القيلولة –وقت القيلولة- فإذا فرغ من حساب الخلائق في النصف مقدار خمسمائة سنة يقيل كل في مكانه من أهل الجنة في أماكنهم، وأما أهل النار فلا مقيل لهم –نسأل الله السلامة والعافية-.
طالب: القيلولة بعد الظهر أو قبل؟
الأصل أنها قبل الظهر، يعني بعد الفراغ من الأعمال، إذا بقي على الظهر مقدار ساعة يقيل الإنسان، هذا الأصل، لكن ما دام الناس ارتبطوا بأعمالٍ رتبت أوقاتهم، ووقت القيلولة في صلب الدوام فللإنسان أن يقيل إذا خرج من دوامه يرتاح من عناء التعب ومن عمله فلا مانع من ذلك، والمسألة مسألة عرفية، ووقت نومهم قبل الظهر.
ماذا قال عن الحديث؟
طالب: قال: لم أره مرفوعاً، وإنما أخرجه الطبري عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يرون أنه يفرغ من الحساب، وكذا نسبه السيوطي في الدر عن ابن المبارك وسعيد بن منصور وغيرهم عن إبراهيم النخعي ولا يحتج بالمرفوع بمثل هذا المقام.
هذا لو ثبت عن هؤلاء لقلنا: أن له حكم الرفع؛ لأن مثله لا يقال: بالرأي ولا يدرك بالاجتهاد، فيكون مرفوعاً إلا أنه مرفوع مرسل، إذا ثبت عن تابعي، وإذا ثبت عن تابع التابعي قلنا: معضل، وإن كان مرفوعاً؛ لأن له حكم الرفع؛ لأنه لا يقال: بالرأي ولا يدرك به.
وقال ابن مسعود: لا ينتصف النهار يوم القيامة من نهار الدنيا حتى يقيل هؤلاء في الجنة، وهؤلاء في النار، ثم قرأ: (ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم) كذا هي في قراءة ابن مسعود، وقال ابن عباس: الحساب من ذلك اليوم في أوله فلا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، ومنه ما روي: ((قيلوا فإن الشياطين لا تقيل))، وذكر قاسم بن أصبغ من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة)) فقلت: ما أطول هذا اليوم فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((والذي نفسي بيده إنه ليخفف عن المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة المكتوبة يصليها في الدنيا))، قوله تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ}
[(25) سورة الفرقان] أي واذكر تشقق السماء بالغمام، وقرأه عاصم والأعمش ويحيى وحمزة والكسائي وأبو عمرو: {تَشَقَّقُ}[(25) سورة الفرقان] بتخفيف الشين وأصله (تتشقق) بتاءين، فحذفوا الأولى تخفيفاً، واختاره أبو عبيد، والباقون {تشقق} بتشديد الشين على الإدغام، واختاره أبو حاتم، وكذلك في (ق)، {بِالْغَمَامِ}[(25) سورة الفرقان] أي عن الغمام، و(الباء) و(عن) يتعاقبان كما تقول: رميت بالقوس وعن القوس، روي أن السماء تتشقق عن سحاب أبيض رقيق مثل الضبابة، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم فتنشق السماء عنه، وهو الذي قال تعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ}[(210) سورة البقرة]، {وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ} من السموات ويأتي الرب -عز وجل- في الثمانية الذين يحملون العرش؛ لفصل القضاء على ما يجوز أن يحمل عليه إتيانه لا على ما تحمل عليه صفات المخلوقين من الحركة والانتقال.
يعني مجيء الله -جل وعلا- وإتيانه ونزوله على ما يليق بجلاله وعظمته من غير مشابهة لنزول المخلوقين أو مجيئهم أو إتيانهم إنما له ما يليق به -جل وعلا-.
وقال ابن عباس: تتشقق سماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس، ثم تنشق السماء الثانية فينزل أهلها وهم أكثر ممن في سماء الدنيا، ثم كذلك حتى تنشق السماء السابعة ثم ينزل الكروبيون وحملة العرش، وهو معنى قوله: {وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا}
[(25) سورة الفرقان] أي من السماء إلى الأرض لحساب الثقلين، وقيل: إن السماء تنشق بالغمام الذي بينها وبين الناس، فبتشقق الغمام تتشقق السماء، فإذا انشقت السماء انتقض تركيبها، وطويت ونزلت الملائكة إلى مكانٍ سواها، وقرأ ابن كثير: {وننزل الملائكةَ} بالنصب من الإنزال، والباقون: {وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ} بالرفع، دليله: {تَنزِيلًا} ولو كان على الأول لقال: إنزالاً، وقد قيل: إن نزل وأنزل بمعنى، فجاء {تَنزِيلًا} على (نزل)، وقد قرأ عبد الوهاب عن أبي عمرو: {وَنُزِلَ الملائكة تنزيلًا} وقرأ ابن مسعود: (وأنزل الملائكة)، وأبي بن كعب: (ونزلت الملائكة) وعنه (وتنزلت الملائكة).
وهذا كله قبل الاتفاق على القراءة الموافقة للعرضة الأخيرة من جبريل للنبي -عليه الصلاة والسلام- التي عنها أخذ مصحف عثمان ووزع في الأمصار التي لا يوجد فيه شيء من اختلاف القراءات إلى هذا المستوى.
قوله تعالى: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ}
[(26) سورة الفرقان]، {الْمُلْكُ} مبتدأ و{الْحَقُّ} صفة له و{لِلرَّحْمَنِ} الخبر؛ لأن الملك الذي يزول وينقطع ليس بملك فبطلت يومئذٍ أملاك المالكين، وانقطعت دعاويهم، وزال كل ملك وملكه، وبقي الملك الحق لله وحده، {وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا} أي لما ينالهم من الأهوال ويلحقهم من الخزي والهوان، وهو على المؤمنين أخف من صلاةٍ مكتوبة على ما تقدم في الحديث، وهذه الآية دالة عليه؛ لأنه إذا كان على المؤمنين عسيراً فهو على المؤمنين يسير، يقال: عَسِر يَعسَر وعَسُرَ يَعسُر.
{وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا}
[(26) سورة الفرقان] أي لما ينالهم من الأهوال ويلحقهم من الحزن والهوان، وهو على المؤمنين أخف من صلاةٍ مكتوبة، هذا من باب المفهوم، إذا كان عسير على الكافرين، فهو على المؤمنين يسير بلا شك، {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ}[(8-10) سورة المدثر].
قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ}
[(27) سورة الفرقان] الماضي: عضضت، وحكى الكسائي عضضت بفتح الضاد الأولى، وجاء التوقيف عن أهل التفسير منهم ابن عباس وسعيد بن المسيب أن الظالم هاهنا يراد به عقبة بن أبي معيط، وأن خليله أمية بن خلف فعقبة قتله علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وذلك أنه كان في الأسارى يوم بدر فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقتله، فقال: أأقتل دونهم؟ فقال: نعم، بكفرك وعتوك، فقال: من للصبية؟ فقال: النار، فقام علي -رضي الله عنه- فقتله، وأمية قتله النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكان هذا من دلائل نبوة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه خبَّر عنهما بهذا فقتلا على الكفر، ولم يسميا في الآية؛ لأنه أبلغ في الفائدة ليعلم أن هذا سبيل كل ظالم قبل من غيره في معصية الله -عز وجل-، قال ابن عباس وقتادة وغيرهما: وكان عقبة قد همَّ بالإسلام فمنعه منه أبي بن خلف وكانا خدنين، وأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قتلهما جميعاً، قتل عقبة يوم بدر صبراً، وأبي بن خلف في المبارزة يوم أحد، ذكره القشري والثعلبي، والأول ذكره النحاس، وقال السهيلي: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ}[(27) سورة الفرقان] هو عقبة بن أبي معيط، وكان صديقاً لأمية بن خلف الجمحي، ويروى لأبي بن خلف أخ أمية، وكان قد صنع وليمة فدعا إليها قريشاً، ودعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأبى أن يأتيه إلا أن يسلم، وكره عقبة أن يتأخر..
لأن إجابة الدعوة من حق المسلم على المسلم، وليست من حق الكافر على المسلم إلا إذا رجي إسلامه، فيكون من باب تغليب المصلحة، وإلا فالأصل أنها من حقوق المسلمين بعضهم على بعض.
وكره عقبة أن يتأخر عن طعامه من أشرف قريش أحد فأسلم ونطق بالشهادتين، فأتاه رسول الله وأكل من طعامه فعاتبه خليله أمية بن خلف، أو أبي بن خلف وكان غائباً، فقال عقبة: رأيت عظيماً ألا يحضر طعامي رجل من أشراف قريش، فقال له خليله: لا أرضى حتى ترجع وتبصق في وجهه، وتطأ عنقه، وتقول: كيت وكيت، ففعل عدو الله ما أمره به خليله، فأنزل الله -عز وجل-: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ}
[(27) سورة الفرقان] قال الضحاك: لما بصق عقبة في وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجع بصاقه في وجهه وشوى وجهه وشفتيه حتى أثر في وجهه وأحرق خديه فلم يزل أثر ذلك في وجهه حتى قتل، وعضه يديه فعل النادم الحزين لأجل طاعته خليله.
{يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا}
[(27) سورة الفرقان] في الدنيا، يعني: طريقاً إلى الجنة، {يَا لَيْتَنِي} دعا بالويل والثبور على مخالفة الكافر ومتابعته، {لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا}[(28) سورة الفرقان] يعني أمية، وكنى عنه ولم يصرح باسمه؛ لئلا يكون هذا الوعد مخصوصاً به ولا مقصوراً، بل يتناول جميع من فعل مثل فعلهما، وقال مجاهد وأبو رجاء: الظالم عام في كل ظالم، وفلان: الشيطان، واحتج لصاحب هذا القول بأن بعده {وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا}[(29) سورة الفرقان] وقرأ الحسن: (يا ويلتي) وقد مضى في (هود) بيانه، والخليل: الصاحب والصديق، وقد مضى في (النساء) بيانه.
{لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ}
[(29) سورة الفرقان] أي يقول هذا النادم: لقد أضلني من اتخذته في الدنيا خليلاً عن القرآن والإيمان به، وقيل: {عَنِ الذِّكْرِ} أي: عن الرسول، {وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا} قيل: هذا من قول الله لا من قول الظالم، وتمام الكلام على هذا عند قوله: {بَعْدَ إِذْ جَاءنِي}[(29) سورة الفرقان]، والخذل الترك من الإعانة، ومنه خذلان إبليس للمشركين لما ظهر لهم في صورة سراقة بن مالك، فلما رأى الملائكة تبرأ منهم، وكل من صد عن سبيل الله وأطيع في معصية الله فهو شيطان للإنسان، خذولاً عند نزول العذاب والبلاء.
لأنه يتخلى عنه أحوج ما يكون إليه إذا ورطه تخلى عنه، إذا ورطه في معصية وفي جريمة تخلى عنه، حتى يصل إلى حد أن يأمره بالسجود لغير الله -جل وعلا- فيسجد ثم بعد ذلك يتخلى عنه، أحوج ما يكون إليه –نسأل الله السلامة والعافية-.
وأما المشورة التي يعقبها الندم كما يقال: {يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا}
[(28) سورة الفرقان] فهذا جاري حتى في أمور الدنيا إذا أشار إليك شخص على أن تقتني كذا أو تشتري كذا أو تذهب إلى كذا ثم وجدت أن هذا ليس من مصلحتك تقول: ليتني والله ما أطعت فلان، وكم من شخصٍ قال حينما نزلت الأسهم حينما مدحت له هذه الشركة أو تلك وقيل: أن الأرباح مضاعفة ومدة أسبوع وأنت كذا وبعد شهر تكون أرباحك مائة بالمائة، هذا سمع حتى من بعض من تظهر عليهم علامات الصلاح، الشركة الفلانية مضمونة، كيف مضمونة والمسألة غيب؟! ثم بعد ذلك قرعوا سن الندم، وقالوا: ليتنا ما أطعنا فلان، وليتنا ما صدقنا فلان، فكل مشورةٍ يعقبها الندامة هذه نتيجتها، والله المستعان.
ولقد أحسن من قال:

تجنب قرين السوء واصرم حباله***فإن لم تجد عنه محيصاً فداره
وأحبب حبيب الصدق واحذر مراءه***تنل منه صفو الود ما لم تماره
وفي الشيب ما ينهى الحليم عن الصبا***إذا اشتعلت نيرانه في عذاره

اشتعلت نيرانه يعني شيبه، إذا لاح شيبه نهاه عن ما يفعله الصبيان، وبعض الناس يستمر ولو لاح شيبه، يستمر ويزاول ما يزاوله الصبيان، من ألفاظ الجرح عند أهل العلم، من ألفاظ الجرح عند أهل الحديث: شيخ يتصابى، لا شك أن هذا ليس بمقبول من كبير السن أن يفعل ما يفعله الصبيان، ويقلد الصبيان في مشيته في أكله في طريقته، في هديه، هذا قبيح جداً بالشيخ أن يفعل هذا، نعم قد يوجد من الصبيان من يقلد الشيوخ؛ لأن هذا ترقي أما ذاك نزول، فلا يقبل من المكلف أن يحصل له مثل هذا.
وقال آخر:

اصحب خيار الناس حيث لقيتهم***خير الصحابة من يكون عفيفا
والناس مثل دراهم ميَّزتها***فوجدت منها فضةً وزيوفا

وفي الصحيح من حديث أبي موسى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحاً خبيثة)) هذا لفظ مسلم، وأخرجه أبو داود من حديث أنس وذكر أبو بكر البزار عن ابن عباس قال: قيل يا رسول الله: أي جلسائنا خير؟ قال: ((من ذكركم بالله رؤيته، وزاد في علمكم منطقه، وذكركم بالآخرة عمله))، وقال مالك بن دينار: إنك إن تنقل الأحجار مع الأبرار خير لك من أن تأكل الخبيص مع الفجار، وأنشد:

وصاحب خيار الناس تنج مسلماً***وصاحب شرار الناس يوماً فتندما

يكفي، اللهم صل على محمد وعلى آله محمد.