submit

rss

شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري (6)

شرح كتاب الفتن من صحيح البخاري (6)
شرح قول المصنف: باب: "حدثنا عثمان بن الهيثم قال: حدثنا عوف عن الحسن عن أبي بكرة قال: "لقد نفعني الله بكلمة أيام وقعة الجمل..." و"باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم- للحسن بن علي: ((إن ابني هذا لسيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين)) وبابٌ: "إذا قال عند قوم شيئاً ثم خرج فقال بخلافه" وبابٌ: لا تقوم الساعة حتى يغبط أهل القبور.

الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
 

قال: ادعُ الله لي، قال: "لا يقبل الله صلاةً بغير طهور، ولا صدقة من غلول، وكنتَ على البصرة، كنتَ أمير على البصرة، شوف "ولا صدقة من غلول، وكنت على البصرة" لأن الأمير بصدد أنه لا حسيب عليه ولا رقيب احتمال يدخل في ذمته شيء بقصدٍ أو بغير قصد، فأنت عسى أن تنجو كفافاً.
في حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- حديث البيعة: "بايعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره" يعني على جميع الأحوال، ما هو بالإنسان يبايع فيما يحلو له ويرضيه، ويتخلف إذا كان الأمر لا يحلو له ولا يرضيه، إن أعطي وفّى وإن لم يعطَ غدر لا، ونقض، "على أن نقول أو نقوم بالحق لا نخاف في الله لومة لائم" يعني هذا لا يعارض هذا، بل لا بد من نصيحة ولي الأمر، ولا بد من الإذعان والطاعة والسمع على جميع الأحوال، والحد المحدد في الشرع: ((ما لم تروا كفراً بواحاً)) معروف.
بعدما سمعت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((يُجاء برجل فيطرح في النار فيَطحن فيها)) وفي رواية: ((فيُطحن فيها كطحن الحمار برحاه)) يطحن، يدور مثل دوران الحمار بالرحى ((فيطيف به أهل النار)) يتعجبون يستغربون كيف يأتي هذا؟ يجتمعون عليه، كيف؟ كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر إيش اللي جابك هنا؟! ((فيطيف به أهل النار فيقولون: أي فلان)) ما شأنك، ما الذي أتى بك ((ألست كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول لهم: إني كنت آمر بالمعروف ولا أفعله، وأنهى عن المنكر وأفعله)) {كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا}
[(3) سورة الصف] إيش؟.
طالب:........
نعم، هذا خطير عظيم كون الإنسان يأمر وينهى ويوجه وينصح وهو أبعد الناس عما يقول، لكن أهل العلم بل جمهورهم على أنه لا يشترط في الآمر والناهي أن يكون غير متلبس بمعصية، بل عندهم أن الجهة منفكة، عليك أن تؤدي ما أمرت به من أمر، وما كلفتَ به من إنكار ((من رأى منكم منكراً فليغيره)) ومع ذلك أنت مؤاخذ بما تفعل من المنكرات، وإلا لو اشترطت العصمة لتعطل هذا الركن العظيم من أركان الإسلام، شعيرة من شعائر الإسلام، على حد تعبيرات المعاصرين يقولون: الأمر والنهي صمام الأمان، وبه يدفع الله -جل وعلا- الشرور؛ لأن المنكر إذا ظهر ولا يوجد من ينكره عمت العقوبة الجميع، لكن إذا وجد من ينكره ارتفعت هذه العقوبة، وليس هذا بمبرر مثل هذا الكلام؛ لأن يقع الناس في أهل الحسبة، يقول: ها شف يطحن في النار وهو يأمر وينهى، ما كل من يأمر وينهى صادق، صحيح ما كل من يأمر وينهى صادق، لكن الأمر والنهي لا بد منه، وليسوا بمعصومين، وليست أخطاؤهم بأكثر من أخطاء غيرهم؛ لأنه قد يقول قائل من السفهاء الذين يكتبون: ها شوف يأمر وينهى من أهل الحسبة ويطحن في النار كما يطحن..، لو جلس في بيته أفضل له، لا يأمر ولا ينهى، نقول: لا ما هو بصحيح، عليه أن يأمر، وعليه أن ينهى، وعلى المأمور أن يأتمر، وعلى المنهي أن ينتهي، وحساب الجميع على الله -عز وجل-.
شرح قوله: باب: "حدثنا عثمان بن الهيثم قال: حدثنا عوف عن الحسن عن أبي بكرة قال: "لقد نفعني الله بكلمة أيام وقعة الجمل..."
ثم قال -رحمه الله تعالى-: باب: "حدثنا عثمان بن الهيثم" البصري مؤذنها، "قال: حدثنا عوف" ابن أبي جميلة الأعرابي "عن الحسن" البصري "عن أبي بكرة" نفيع بن الحارث "قال: "لقد نفعني الله بكلمة أيام وقعة الجمل" التي كانت بين علي وفاطمة -رضي الله عن الجميع- وكانت فاطمة على جمل فنسبت الوقعة إليها.
طالب:.......
وعائشة نعم، كانت بين علي وعائشة -رضي الله عنهم-، يقول: "لقد نفعني الله بكلمة أيام الجمل" الجمل هذا جمل عائشة، كانت على جملٍ فنسبت الوقعة إليها "لما بلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- أن فارساً" فارس الدولة دولة فارس، بلاد فارس، "ملكوا ابنة كسرى"، لما بلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- أن فارساً ملكوا ابنة كسرى بعد موته اسمها بوران، وكسرى اسمه شيرويه بن أبرويز بن هرمز لما ولوا ابنته "قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)) بأن كانت والياً عليهم، أو في حكم الوالي مما يحكم بين الناس في أموالهم وأعراضهم ودمائهم كالقاضي، لن يفلحوا إذا فعلوا ذلك، هذا خبرٌ عمن لا ينطق عن الهوى متضمن حكم شرعي وهو أنه لا يجوز أن تولى المرأة، والمقصود بها كالولايات العامة، لا يقال: ليش تصير مديرة مدرسة؟ ليش تصير ربة بيت؟ نقول: تصدير، المقصود بذلك الولايات العامة، فلا يجوز للمرأة أن تتولى ما فيه فصلٌ بين الناس كالإمارة والقضاء ونحو ذلك، واستدل به أبو بكرة أن أصحاب الجمل لن يفلحوا، وهي أم المؤمنين، فضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام، "من أحب إليك يا رسول الله؟ قال: ((عائشة)) قيل: ومن الرجال؟ قال: ((أبوها)) ومع ذلك استدلالاً بعموم الحديث: ((لن يفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة)) لن يفلح أصحاب الجمل، وهذا الكلام يقوله النبي -عليه الصلاة والسلام-، وهو ثابتٌ عنه بما لا شك فيه ولا ارتياب، في أصح الكتب ويأتي من يأتي إلى ممن ينتسب إلى العلم والدعوة مع الأسف الشديد ويقول: إن الحديث ليس بصحيح، لماذا؟ قال: لأن الواقع يرده، كيف الواقع يرده؟ غاندي حكمت الهنود، وتاتشر ضبطت الإنجليز، وجلود مائير هزمت العرب، وترد النصوص بهذه الطريقة، ومن قال لك: إن أولئك أفلحوا؟ وما معنى الفلاح في نظرك؟ فتنة، هذا مفتون نسأل الله العافية، الذي يرد النصوص الصريحة الصحيحة بهذه التوجيهات هذا مفتون، نسأل الله السلامة والعافية.
المقصود أنا عرفنا وجهة نظر أبي بكرة واستنباطه من الحديث أن أصحاب الجمل لن يفلحوا، وإن كان فيهم من فيهم من خيار الصحابة، طلحة والزبير وعائشة من خيار الأمة، ومع ذلكم الفتن إذا بدأت توقع خيار الناس شاءوا أم أبوا.
شرح قوله: حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا يحيى بن آدم حدثنا أبو بكر بن عياش حدثنا أبو حصين حدثنا أبو مريم عبد الله بن زياد الأسدي، قال: لما سار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة..."
قال -رحمه الله-: "حدثنا عبد الله بن محمد" المسندي، قال: "حدثنا يحيى بن آدم" الكوفي، قال: "حدثنا أبو بكر بن عياش" قال: "حدثنا أبو حصين" عثمان بن عاصم الأسدي، قال: "حدثنا أبو مريم عبد الله بن زياد الأسدي، قال: لما سار طلحة" ابن عبيد الله "والزبير" ابن العوام وقد كانا بايعا علياً -رضي الله عنه- بمشورة عائشة، ما هي المسألة شخص مختلف في بيعته، لا، "لما سار طلحة" ابن عبيد الله "والزبير" ابن العوام "وعائشة إلى البصرة" سبب المسير الأمر المهول الذي صار سبباً في مقتل عثمان -رضي الله عنه-، نعم علي بويع حتى من قبل هؤلاء الذين خرجوا عليه، وهم من خيار الناس، لكن حصل أمرٌ عظيم طالبوا به، طلباً لدم عثمان -رضي الله عنه-، خرجوا في ثلاثة آلاف، وانضم إليهم في طريقهم، خرجوا من مكة والمدينة بثلاثة آلاف، وانضم إليهم جموع من الناس، فلما نزلت عائشة -رضي الله عنها- ببعض مياه بني عامر نبحت عليها الكلاب، فقالت: أيّ ماءٍ هذا؟ قالوا: الحوأب، فقالت: إن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال لنا ذات يومٍ: ((كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب؟)) علم من أعلام النبوة.
وعند البزار من حديث ابن عباس أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لنسائه: ((أيتكن صاحبت الجمل الأدبب؟ تخرج حتى تنبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها وعن شمالها قتلى كثير، وتنجو بعدما كادت؟)) يعني كادت أن تقتل.
يا الإخوان هؤلاء لا ينقصهم دين، بل هم خيار الأمة، ولا ينقصهم علم، ولا ينقصهم عقل، لكنها الفتن، فإذا بدأت الفتن صار الحليم حيران، صاحب العقل الراجح والدين المتين لا شك أنه تغطي عليه بعض عقله وعلمه وحلمه هذه الفتن، إذا ماجت الفتن، فعلى كل مستطيع في إطفاء نار الفتنة يجب عليه وجوب أن يسعى بقدر استطاعته لإطفائها وإخمادها، وعلى من يثيرها ويؤججها ويبدأها كفل عظيم ممن يذهب بسببها، وليس معنى هذا أنه يخرج من الدين، هؤلاء خرجوا وبقوا هم خيار الناس، طلحة بن عبيد الله من أهل الجنة، الزبير بن العوام مشهودٌ له بالجنة، وعائشة زوجته في الدنيا والآخرة -عليه الصلاة والسلام-، لا يعني هذا أنهم يخرجون من الدين، لا، لكنها الفتن، نسأل الله السلامة من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
"لما سار طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة بعث عليٌ عمار بن ياسر وحسن بن علي فقدما علينا الكوفة فصعدا المنبر، فكان الحسن بن علي فوق المنبر في أعلاه، وقام عمار أسفل من الحسن فاجتمعنا إليه" قال أبو مريم: "فسمعت عماراً يقول: إن عائشة قد سارت إلى البصرة، ووالله إنها لزوجة نبيكم -صلى الله عليه وسلم- في الدنيا والآخرة" هذا إنصاف مع الخصم، اعتراف بما له وما عليه، عدلٌ في الحكم، وإنصافٌ في الرأي، "ووالله إنها لزوجة نبيكم -صلى الله عليه وسلم- في الدنيا والآخرة" ما قال: هذه خارجية خرجت على ولي الأمر، لا، لا شك أن رأيها مرجوح، وإن بنت ذلك على اجتهاد، لكن الكفة مع علي -رضي الله عنه وأرضاه-، "ووالله إنها لزوجة نبيكم -صلى الله عليه وسلم- في الدنيا والآخرة، ولكن الله -تبارك وتعالى- ابتلاكم" اختبركم بها، وهذا من إنصاف عمار حيث أنها وإن خرجت على الإمام لم تخرج عن دائرة الإسلام، "ولكن الله -تبارك وتعالى- ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي؟" هل تطيعون الله -سبحانه وتعالى- بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم أو تطيعونها؟، يعني تزداد الفتنة إذا كان الطرفان متقاربان تزداد الفتنة، أما إذا كان طرف في السماء وطرف في الأرض ما هي فتنة، الأمر يعني ما يشتبه على أحد، لكن إذا صار في الأطراف مثل هؤلاء فتنة، ولكن الله -تبارك وتعالى- ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم أم هي؟ هي خرجت بتأويل سائغ، خرجت بتأويل ما خرجت عناد، وطلحة والزبير بايعا وخرجا بهذا التأويل، لا شك أنه يحز في نفس كل مسلم أن يقتل مثل عثمان على وضع عثمان، وهو إمامُ المسلمين ولا أحد ينتصر له، ولا يستطيع المهاجرون والأنصار أن يخلصوه، هذه فتنة، ويحز في كل نفس تجعل تغطي هذه الفتنة ما عند الإنسان من علم وعقل وحلم، لكن يبقى أن الحكم الشرعي ثابت لا تغيره مثل هذه الأمور وإن عظمت، تلزم جماعة المسلمين وإمامهم هذا الحال، إلى أي حد نلزم جماعة المسلمين إلى أن ترى الكفر البواح، المسألة ما هي بفوضى، المسألة مضبوطة بضوابط شرعية.
ثم قال -رحمه الله تعالى-: "بابٌ"، وهذه الترجمة "بابٌ" وهي بدون ترجمة، هذا الباب بدون ترجمة، ولا توجد كلمة باب عند أبي ذر، ولذا يقول الشراح: والصواب حذف كلمة باب؛ لأن الحديث اللاحق طرفٌ من الحديث السابق، فالفصل بينهما بباب غير مناسب.
شرح قوله: حدثنا أبو نعيم حدثنا ابن أبي غنية عن الحكم عن أبي وائل قام عمار على منبر الكوفة فذكر عائشة وذكر مسيرها وقال: إنها زوجة نبيكم -صلى الله عليه وسلم- في الدنيا والآخرة ولكنها مما ابتليتم"
"حدثنا أبو نعيم" الفضل بن دكين، قال: "حدثنا ابن أبي غنية" عبد الملك بن حميد "عن الحكم" ابن عتيبة "عن أبي وائل" شقيق بن سلمة "قام عمار" ابن ياسر "على منبر الكوفة فذكر عائشة وذكر مسيرها" ومن معها إلى البصرة، "وقال: إنها زوجة نبيكم -صلى الله عليه وسلم- في الدنيا والآخرة ولكنها مما ابتليتم"، يعني به وامتحنتم.
شرح قوله: حدثنا بدل بن المحبر حدثنا شعبة أخبرني عمرو سمعت أبا وائل يقول: دخل أبو موسى وأبو مسعود على عمار حيث بعثه علي إلى أهل الكوفة يستنفرهم فقالا: ما رأيناك أتيت أمراً أكره عندنا من إسراعك في هذا الأمر منذ أسلمت، فقال عمار: ما رأيت منكما منذ أسلمتما أمراً أكره عندي من إبطائكما عن هذا الأمر وكساهما حلة حلة، ثم راحوا إلى المسجد"
ثم قال -رحمه الله-: "حدثنا بدل بن المحبر" اليربوعي قال: "حدثنا شعبة" ابن الحجاج قال: "أخبرني عمرو" ابن مرة قال: "سمعت أبا وائل" شقيق بن سلمة "يقول: دخل عبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري وأبو مسعود" عقبة بن عمروٍ البدري، نسب إلى بدر؛ لأنه نزل بها، ولم يشهد الوقعة في قول الجمهور، وإن أثبته البخاري فيمن شهد بدراً، "وأبو مسعود على عمار بن ياسر حيث بعثه علي -رضي الله عن الجميع- إلى أهل الكوفة يستنفرهم" يطلب منهم الخروج إلى البصرة، "فقالا -أبو موسى وأبو مسعود لعمار-: ما رأيناك أتيت أمراً أكره عندنا من إسراعك في هذا الأمر منذ أسلمت؟" أنت في عافية تدخل في مثل هذه الفتن؟ وتسارع وتذهب مندوب تطلب المدد من أهل البصرة والخروج من أهل البصرة؟ "ما رأيناك أتيت أمراً أكره عندنا من إسراعك في هذا الأمر منذ أسلمت"، ماذا قال عمار؟ "فقال عمار: ما رأيت منكما منذ أسلمتما أمراً أكره عندي من إبطائكما عن هذا الأمر" هذا اجتهاد، فهو اجتهد -رضي الله عنه-، ومعه نصوص، ومعه إمام المسلمين وأمير المؤمنين، وامتثل {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي}
[(9) سورة الحجرات]، معه نصوص، وهما أيضاً كانا مجتهدين، لماذا؟ لأن الحرب بين مسلمين فإذا دخلت بنفسك أو دخل أحدٌ بمشورتك وهذا الداخل أو أنت قتلت مسلم تلطخت بدم مسلم هذه وجهت نظرهم، فالمسألة اجتهادية عندهم، وإن كانت الكفة الراجحة مع علي -رضي الله عنه وأرضاه-، فهذا يدل على أن كل من الطائفتين كان مجتهداً، يرى أن الصواب معه.
"قالا: ما رأيناك أتيت أمراً أكره عندنا من إسراعك في هذا الأمر"، وهو يقول: "ما رأيت منكما منذ أسلمتما أكره عندي من إبطائكما عن هذا الأمر"، هم يلمونه على الإسراع، وهو يلومهم على التباطؤ، "وكساهما حلة حلة"، الضمير يعود على من؟ يعني عمار كسا أبا مسعود وأبا موسى، لا، ليس الأمر كذلك، أبو مسعود كسا عمار وكسا أبا موسى، على ما سيأتي صريحاً في الرواية التي تليها، "ثم راحوا إلى المسجد" يعني إلى صلاة الجمعة، كأنه رأى عمار وهو الذي يتولى الخطبة ثوبه ليس بمناسب؛ لأن يتصدر الناس، ويتولى الخطبة ويقف أمامهم فكساه حلة حلة، وإحراج أن يعطي عمار وأبو موسى حاضر فكساهما معاً، وكان أبو مسعود موسراً على ما سيأتي، "ثم راحوا إلى المسجد".
شرح قوله: حدثنا عبدان عن أبي حمزة عن الأعمش عن شقيق بن سلمة: كنت جالساً مع أبي مسعود وأبي موسى وعمار فقال أبو مسعود ما من أصحابك أحد إلا لو شئت لقلت فيه غيرك، وما رأيت منك شيئاً منذ صحبت النبي -صلى الله عليه وسلم- أعيب عندي من استسراعك في هذا الأمر، قال عمار: يا أبا مسعود وما رأيت منك ولا من صاحبك هذا شيئاً منذ صحبتما النبي -صلى الله عليه وسلم- أعيب عندي من إبطائكما في هذا الأمر، فقال أبو مسعود: وكان موسراً يا غلام هات حلتين، فأعطى إحداهما أبا موسى والأخرى عماراً، وقال: روحا فيه إلى الجمعة".
ثم قال الإمام -رحمة الله عليه: "حدثنا عبدان" عبد الله بن عثمان العتكي المروزي "عن أبي حمزة" محمد بن ميمون اليشكري "عن الأعمش" سليمان بن مهران "عن شقيق بن سلمة" أبي وائل "قال: كنت جالساً مع أبي مسعود وأبي موسى وعمار فقال أبو مسعود: ما من أصحابك أحد إلا لو شئت لقلت فيه" يعني ذكرت شيء مما يحط من قيمته وقدره "غيرك وما رأيت منك شيئاً منذ صحبت النبي -صلى الله عليه وسلم- أعيب" يعني أشد عيباً "عندي من استسراعك في هذا الأمر، قال عمار: يا أبا مسعود وما رأيت منك ولا من صاحبك هذا شيئاً منذ صحبتما النبي -صلى الله عليه وسلم- أعيب عندي من إبطائكما في هذا الأمر"، فقال أبو مسعود" هذا بيان للفظ المجمل السابق، "فقال أبو مسعود وكان موسراً: يا غلام هات حلتين، فأعطى إحداهما أبا موسى والأخرى عماراً وقال: روحا فيه إلى الجمعة"، اذهبا به إلى صلاة الجمعة، الجمعة ينبغي أن يلبس لها الثياب الجميلة النظيفة التي ليس فيها سرف ولا خيلاء، ولا فيها شيء مما نهي عنه، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
هذا سؤال يتعلق بالدرس الماضي، يقول: بناءً على شرح الأمس على فتنة مقتل عثمان -رضي الله عنه-، يتبادر على الذهن سؤال: أين الجيش الذي قاتل علي -رضي الله عنه- في موقعة الجمل؟ وكذلك في موقعة صفين عن حماية عثمان -رضي الله عنه- عندما حوصر في بيت الإمارة؟
أين الجيش الذي قاتل علي؟ قل: أين علي -رضي الله عنه-؟ إذا وقعت مثل هذه الفتن لا تسأل بـ(أين)، لا تسأل عن (أين) ولا بـ(أين) إذا وقعت الفتن، {لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً}
[(44) سورة الأنفال] وإذا تيسر الأسباب أسباب الفتن فالخلاص منها وحسمها في غاية الصعوبة إذا بدأت، فهي تبدأ فتية شابة، ثم تنتهي عجوز هرمة، كما تقدم بالأمس، فليس لسائلٍ أن يقول: أين علي؟ أين طلحة؟ أين الزبير؟ أين عائشة؟ هذه فتن، أقول: هذه الفتن إذا بدأت صار الحليم حيراناً، صار الحليم حيران، حينئذٍ يصعب حلها، والخلاص منها، نسأل الله السلامة من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
شرح قوله: حدثنا عبد الله بن عثمان أخبرنا عبد الله أخبرنا يونس عن الزهري أخبرني حمزة بن عبد الله بن عمر أنه سمع ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا أنزل الله بقوم عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم))
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "باب: إذا أنزل الله بقومٍ عذاباً"، جوابه في الحديث: ((أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على نياتهم)).
يقول الإمام -رحمه الله تعالى-: "حدثنا عبد الله بن عثمان" العتكي المروزي المعروف بعبدان، يروي عنه باسمه ولقبه، قال: "أخبرنا عبد الله" ابن المبارك، قال: "أخبرنا يونس" وهو ابن يزيد الأيلي، قال: "أخبرني حمزة بن عبد الله بن عمر أنه سمع بن عمر -رضي الله عنه-" نعم؟
طالب: يونس عن الزهري.
نعم، "أخبرنا يونس عن الزهري قال: أخبرني حمزة بن عبد الله بن عمر أنه سمع بن عمر -رضي الله عنهما- يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إذا أنزل الله بقومٍ عذاباً))" يعني إذا عمهم الله بعذاب لظهور المعاصي، وفشوا المنكرات استحق الناس العذاب العام، نسأل الله العافية، كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام- في الحديث لما قيل له: "أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم، إذا كثر الخبث)) وهؤلاء الصالحون يبعثون على نياتهم، يعمهم العقاب فيموتون مع الناس لكنهم يبعثون على نياتهم، فإذا جهر الناس بالمعاصي من غير نكير أصاب الجميع العذاب، ثم بعثوا على نياتهم، إن كانت صالحة هذه النيات فالعقبى صالحة وإلا فسيئة، فذلك العذاب طهرة للصالح، تكفير لما حصل منه من تفريط بالأمر والنهي، ونقمة على الفاسق.
أخرج ابن حبان والبيهقي عن عائشة -رضي الله عنها- مرفوعاً: ((إن الله تعالى إذا أنزل سطوته بأهل نقمته وفيهم الصالحون قبضوا معهم، ثم بعثوا على نياتهم وأعمالهم)) وفي السنن الأربعة من حديث أبي بكر -رضي الله عنه- سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعذاب)) هذا يبين أهمية الأمر والنهي، وأن الله -سبحانه وتعالى- يرفع به العذاب، وأنه سبب تفضيل هذه الأمة وخيريتها، {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} لماذا؟ لأنكم عرب؟ لسببٍ واحد، {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}
[(110) سورة آل عمران]، ولماذا لعن بنو إسرائيل؟ {كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ} [(79) سورة المائدة] هذا أمر في غاية الأهمية، حتى عده جمع من أهل العلم سادس الأركان الأمر والنهي، وهذه الفئة المكلفة بهذا الأمر الذين هم أهل الحسبة من قبل ولي الأمر لا شك أن الله -سبحانه وتعالى- يرفع بسببهم العذاب، لكن قد لا يسقط بهم الواجب لكثرة المنكرات، فيتعين على جميع من رأى منكر أن يغيره، ولا يعتمد على أهل الحسبة، كل شخص كل مسلم يتجه إليه الخطاب من المكلفين مكلف بقوله -عليه الصلاة والسلام-: ((من رأى منكم منكراً فليغيره)) التغيير لا بد منه، لكن على حسب القدرة والطاعة ((بيده)) مرتبة أولى ((بيده)) وهذا يستطيعه بالنسبة لعموم الناس ولاة الأمور، وبالنسبة لمن تحت اليد من النساء والذراري والأتباع يستطيع أن يغيره ولي الأمر الخاص، وما عدا ذلك ينتقل فيه إلى المرتبة الثانية وهي اللسان، على الإنسان أن يغير إن لم يستطع بيده فبلسانه، ((فبلسانه)) واللسان بالأسلوب المناسب بالطريقة التي لا تثير، ولا يترتب عليها منكر أعظم، يستطيع الإنسان أن يغير كثير من المنكرات، ولو تتابع الناس على الإنكار لما تتابع أهل المعاصي على عصيانهم، لخفت هذه المنكرات، بل انقطع دابرها، لكن تواطأ الناس على السكوت وهذه ضرائب السكوت، ينتشر المنكر بحيث يكون مما عمت به البلوى، لكن لو كان الأمر أول ما بدأ أنكر، ثم ظهر ثانية أنكر، وثالثة وهكذا، بحيث لا يراه مسلم إلا أنكره ما انتشرت المنكرات بهذا المستوى، ما ظهرت الفواحش إلى هذا الحد، وماذا نجني من المواطئة على السكوت؟ نجني العقوبة العامة، نسأل الله -جل وعلا- أن يلطف بنا.
((إذا أنزل الله بقومٍ عذاباً أصاب العذاب من كان فيهم)) يعني من الصالحين وغيرهم، ((ثم بعثوا على أعمالهم)) كلٌ يبعث على ما مات عليه من نية وعمل.
والناس إزاء المنكرات على ثلاثة أقسام: كما بين الله -جل وعلا-، منهم من يقع في المنكر، ومنهم من ينكر، ومنهم من يسكت، {وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ}
[(165) سورة الأعراف] ولا شك أن المنكِر سالم، القسم الثالث الذي سكت يقول بعض السلف: أنهم سكتوا فسكت عنهم، {أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ} [(165) سورة الأعراف] هؤلاء الذين ينهون، {وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} [(165) سورة الأعراف] بقي صنف ثالث وهم سكتوا، يقول بعض السلف: سكت عنهم، والصحيح أنهم هؤلاء الذين سكتوا مع القدرة على الإنكار ظلموا، هؤلاء الذين سكتوا مع القدرة على الإنكار مع الذين ظلموا؛ لأن عدم إنكار المنكر ظلم، فهم داخلون في الظالمين، الحديث فيه التحذير، التحذير الشديد، والوعيد الأكيد بالنسبة لمن سكت عن النهي فكيف بمن داهن؟! فكيف بمن رضي؟! فكيف بمن أعان؟! يعني يسر أسباب انتشار المنكر هذا أمره أعظم، هذا شريك، فكيف بمن برر وجود المنكرات؟! نسأل الله السلامة والعافية.
شرح قول المصنف: "باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم- للحسن بن علي: ((إن ابني هذا لسيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين))
ثم بعد هذا يقول الإمام -رحمة الله عليه-: "باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم- للحسن بن علي: ((إن ابني هذا لسيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين))".
يقول: "حدثنا علي بن عبد الله" يعني ابن المديني، قال: "حدثنا سفيان" وهو ابن عيينة "حدثنا إسرائيل أبو موسى" البصري، قال سفيان: "ولقيته بالكوفة" سفيان لقي إسرائيل بالكوفة، جاء إلى عبد الله بن شبرمة القاضي، قاضي الكوفة في خلافة أبي جعفر، "جاء إلى القاضي فقال له: أدخلني على عيسى" ابن موسى بن محمد ابن أخ المنصور، وكان أميراً على الكوفة إذ ذاك، يطلب من القاضي أن ييسر له الدخول على الوالي من أجل أيه؟ من أجل ينكر عليه -رحمه الله-، "فقال: أدخلني على عيسى فأعظه"، من أجل أن أعظه، أعظه منصوب وإلا مرفوع؟
طالب:.........
ها؟ فأعظه، منصوب بإيش؟
طالب:.........
نعم؟
طالب:.........
يصير مجزوم، لو وقع في جواب الطلب صار مجزوم، بـ(أن) الواقعة بعد (فاء) السببية المتعقبة للطلب.
"فكأن ابن شبرمة خاف عليه فلم يفعل" ما مكنه من الدخول على الأمير، خاف على إسرائيل من بطش عيسى؛ لأن إسرائيل كان -رحمة الله عليه- يصدع بالحق، فربما لا يتلطف في الوعظ، تحمله الغيرة على أن لا يبحث عن الأسلوب المناسب من غيرته فيبطش به عيسى لما عنده من حدة الشباب، وعزة الملك، فلم يفعل، قال إسرائيل: "حدثنا الحسن البصري" الكلام هذا في القرون المفضلة يا الإخوان، الكلام هذا متى؟ ما هو في آخر الزمان في القرون المفضلة، فعلى طالب العلم إذا أراد أن يأمر أو ينهى أو ينكر أو يعظ أو أراد أن يغير عليه بالأسلوب المناسب الذي لا يترتب عليه مفاسد، وليتوقع الأذى، هذا الطريق ليس بالأمر الهين، طريق الأنبياء، الأنبياء منهم من قتل، لكن قتل الأنبياء عظيم، وقرن معه قتل الذين ها؟
طالب:........
نعم، الذين يأمرون الناس بالقسط.
قال إسرائيل: "حدثنا الحسن البصري قال: لما سار الحسن بن علي -رضي الله عنهما- إلى معاوية - ابن أبي سفيان- بالكتائب" جمع كتيبة، طائفة من الجيش، وكان ذلك بعد قتل علي -رضي الله عنه-، "قال عمرو بن العاص لمعاوية: أرى كتيبة لا تولي" يعني لا تدبر، بل تثبت عند القتال "حتى تدبر أخراها" وهذا يختلف الشراح في معناه: حتى تدبر أخراها يعني خصومها، أو أنه يدبر آخر فرد منها، أو آخر مجموعة منها التي لا تطيق الثبات، وأما البقية يثبتون حتى يقتلوا، "قال معاوية لعمروٍ: من لذراري المسلمين؟" يعني إذا كان الأمر كذلك فمن لذراري المسلمين؟ ولا شك أن معاوية رجل عاقل داهية، يعني مع هذه الظروف التي يعيشها ظروف حرب يفكر بذراري المسلمين، فإذا قتل الآباء من للذراري من النساء والأطفال، وفيه اهتمام معاوية -رضي الله عنه- بذراري المسلمين، ولا يقول قائل: إذا كان فيه هذا العطف وهذا الحنو لماذا يدخل في هذه الحروب؟ هو يرى أنه على الحق، هو يرى أنه لا بد من المطالبة بدم عثمان، وإن كان رأيه مرجوحاً -رضي الله عن الجميع-، والراجح هو قول علي -رضي الله عنه- ورأيه، "فقال -عمرو-: أنا"، يعني أكفلهم، وهو بذلك يحرض معاوية على متابعة القتال، "فقال عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة: نلقاه" أي نلقى معاوية "فنقول له: الصلح" أي نطلب منه الصلح، "قال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة" نفيع بن الحارث "قال: بينا النبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب جاء الحسن" يعني ابن علي "فصعد المنبر، فقال: النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((إن ابني هذا سيد))" والمراد بالابن ابن البنت السبط "((إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين))" طائفة الحسن وطائفة معاوية، وهكذا وقع، ففي الحديث علم من أعلام النبوة، وفيه أن السيادة لا تنال إلا بواسطة النفع العام، السيادة من كانت فيه مصلحة عامة للأمة يستحق أن يلقب بالسيد، لما حقن دماء المسلمين استحق هذا اللقب، فهذه مصلحة عامة، والآن يطلقون السيد على أنذل الناس وأرذلهم، كل الناس سيد، وبعض الناس يطبع الخطابات مطبوعة السيد جاهز، مع أنه جاء النهي عن إطلاق السيد على الفاسق، لا يجوز أن يقال للفاسق: سيد، متى استحق الحسن بن علي السيادة ((إن ابني هذا سيد)) استحقها بهذا الأمر العظيم الذي حقن به دماء المسلمين، فمن نفع الناس نفعاً عاماً لا شك أنه يستحق السيادة.
شرح قوله: حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان قال: قال عمرو: أخبرني محمد بن علي أن حرملة مولى أسامة أخبره قال عمرو: قد رأيت حرملة، قال: أرسلني أسامة إلى علي وقال: إنه سيسألك الآن فيقول: ما خلف صاحبك؟ فقل له: يقول لك: لو كنت في شدق الأسد لأحببت أن أكون معك فيه، ولكن هذا أمر لم أره، فلم يعطني شيئاً، فذهبت إلى حسن وحسين وابن جعفر فأوقروا لي راحلتي"
ثم قال -رحمه الله-: "حدثنا علي بن عبد الله" ابن المديني، قال: "حدثنا سفيان" ابن عيينة "قال: قال عمرو:" وهو ابن دينار "أخبرني محمد بن علي" ابن الحسن بن علي المعروف بالباقر "أن حرملة مولى أسامة بن زيد أخبره قال عمرو -بن دينار-: وقد رأيت حرملة" يعني المذكور مولى أسامة بن زيد، يعني أدركته، رأيته يعني أدركته؛ ليؤكد أنه سمعه منه بغير واسطة، "قال: أرسلني أسامة" ابن زيد من المدينة "إلى علي" رضي الله عنه بالكوفة، يسأله شيئاً من المال، إيش العلاقة بين أسامة وعلي والحسن والحسين؟ أسامة بن زيد مولى وهؤلاء سادات الأمة، إيش العلاقة بينهم؟
طالب:........
نعم؟
طالب:........
بلى، وضع الحسن على فخذه الأيمن وأسامة على فخذه الأيسر، بينهما ارتباط ومولى القوم منهم، وأسامة حب النبي -عليه الصلاة والسلام- وابن حبه، فبينهم ارتباط وثيق.
"قال: أرسلني أسامة" يعني من المدينة إلى علي بالكوفة يسأله شيء من المال، "وقال" أسامة "إنه" يعني علياً "سيسألك الآن" عن إيش؟ هذا جالس بالمدينة أسامة بن زيد، وهذا مبتلى بحروب، ومرسِل يطلب مال، يعني بيسألك وينه؟ هذا يطلب مال لماذا لا يأتي للمساعدة؟ "وقال: إنه سيسألك الآن فيقول: ما خلف صاحبك؟" يعني عن مساعدتنا في الجمل وصفين وغيرهما، ما الذي خلفه؟ "فقل له: يقول لك: لو كنت في شدق الأسد لأحببت أن أكون معك" يعني موافقة تامة لعلي -رضي الله عنه-، "ولكن هذا أمر لم أره" لم يرَ القتال بين المسلمين، ولا يرى الدخول فيه، رأى أن هذه فتنة، قتال بين مسلمين ولا يريد أن يتلطخ بدمٍ مسلم مهما كان المبرر، وهذا بعد أن عاتبه النبي -عليه الصلاة والسلام- في قتل شخصٍ يقال له: مرداس بعد أن قال: لا إله إلا الله، ((أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟)) في الصحيح، ((أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟))، ((أقتلته..؟)) ((ماذا تصنع بلا إله إلا الله؟)) وهو من ذلك الحين ودماء المسلمين في نفس أسامة لها شأن عظيم، والأمر كذلك، ويبقى أن المسألة مثل ما ذكرنا، إذا لم تترجح كفة أحد الفريقين فالمتعين العزلة، إذا ترجحت بأن كان هناك إمام للمسلمين وجماعة، وأراد شخصٌ أو أشخاص ولو كان من خير الناس بتأويل سائغ أن يخرج على هذا الإمام الذي استتب له الأمر، ولزمت طاعته ولو كان من خير الناس، فإنه حينئذٍ لا بد من..، إذا لم يرضَ بالصلح {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}
[(9) سورة الحجرات] هذا المتعين، {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي} [(9) سورة الحجرات] فالبغاة يجب قتالهم، ولو ترك البغاة باعتبار أنهم مسلمون بحجة أنهم مسلمون ترك البغاة ما استتب أمن إطلاقاً، الملك كلٌ يريده، ولولا ما ورد في ذلك من النصوص التي تشدد في إراقة دماء المسلمين من جهة، وفي حفظ حق ولي الأمر؛ لحفظ حقوق المسلمين من جهة أخرى لما كان الأمر كما هو عليه الآن، الأمور مضبوطة ضبطاً متقناً في الشرع.
"فقل له: يقول لك: لو كنت في شدق الأسد لأحببت أن أكون معك" كناية عن تمام الموافقة، "ولكن هذا" يعني القتال بين المسلمين "أمرٌ لم أره، فلم يعطني شيئاً" علي -رضي الله عنه- في نفسه شيء، يعني يجلس بالمدينة ويطلب مال والناس في حروف؟! "فلم يعطيني شيئاً فذهبت إلى حسن وحسين" يعني لما بينهما من سابقة "وعبد الله بن جعفر فأوقروا لي راحلتي" من الثياب وغيرها، يعني حملوا الراحلة من العطاء لأسامة بن زيد.
شرح قوله: بابٌ: إذا قال عند قوم شيئاً ثم خرج فقال بخلافه:
ثم قال الإمام -رحمه الله تعالى-: "بابٌ: إذا قال عند قوم شيئاً ثم خرج فقال بخلافه".
قال: "حدثنا سليمان بن حرب" الواشحي، قال: "حدثنا حماد بن زيد" ابن درهم "عن أيوب" السختياني "عن نافع" مولى ابن عمر "قال: لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه" جماعته الملازمين لخدمته، "حشمه وولده، فقال: إني سمعت النبي –عليه الصلاة والسلام- يقول: ((ينصب لكل غادر لواء))" ليشهر به بين الخلائق "((يوم القيامة)) وإنا قد بايعنا هذا الرجل" يزيد بن معاوية، "وإن قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله"، يعني على شرط ما أمر الله به ورسوله من بيعة الإمام، بايعنا، يزيد لا شك أنه صاحب فسوق، وليس على الجادة، رجل فاسق، لكن هل هذا مبرر لخلعه، لما خلع أهل المدينة يزيد له فجور وفسوق، فهل فسق الإمام مبرر لخلعه؟ وما النتيجة التي حصلت من جراء خلعه؟ ما النتيجة؟ تأتي النتيجة، أهل العلم يختلفون في لعن يزيد، الإمام أحمد في رواية: لا يرى بذلك بأساً، حتى قال له ابنه: لمَ لا تلعنه؟ قال: وهل رأيتَ أباك لعاناً، المقصود أن مثل هذا ما لم يرَ الكفر البواح لا مبرر شرعي للخروج، ولا مبرر شرعي للخلع.
"فقال: إني سمعت النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((ينصب لكل غادرٍ لواء -يشتهر به- يوم القيامة)) وإن قد بايعنا هذا الرجل -يزيد بن معاوية- على بيع الله ورسوله"، يعني على شرط ما أمر به من بيعة الإمام، "وإني لا أعلم غدراً أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله، ثم ينصب له القتال"، وفي المسند: "وإن من أعظم الغدر بعد الإشراك بالله -عز وجل- أن يبايع الرجل رجلاً على بيع الله ثم ينكث بيعه"، هذا من أعظم الغدر، نسأل الله العافية، "وإني لا أعلم أحداً منكم خلعه"، يعني من ولده وحشمه الذين سبقت الإشارة إليهم، "وإني لا أعلم أحداً منكم خلعه" يعني يزيد "ولا بايع أحداً في هذا الأمر إلا كانت الفيصل"، يعني مقاطعة بيني وبينه، ففيه وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة، على ما عنده من فسوق، وعلى ما عنده من فجور، وعلى ما عنده من ظلم، ما لم يرَ الكفر البواح، هذا الحد الفاصل، ومع رؤية الكفر البواح لا بد من القدرة على التغيير، وإلا إذا لم توجد القدرة عرضت دماء المسلمين للإهدار، وصاروا طعاماً للسيوف من دون فائدة، فإذا وجد الكفر البواح ووجدت القدرة على التغيير حينئذٍ غير، أما إذا لم يرَ الكفر البواح مهما بلغ من الفجور من الفسوق من الظلم، لا يجوز نزع الطاعة من يده، لا تجوز مخالفته إذا لم يرَ الكفر البواح، إذا رئي الكفر البواح ينظر أيضاً، يجوز الخروج عليه لكن مع القدرة.
ففي ذلك وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة والمنع من الخروج عليه ولو جار، وأنه لا يخلع بالفسق، ولننظر نتيجة ما ذكر من نقض بيعة يزيد، ما الذي حصل؟ يعني يزيد عنده فجور، عنده فسوق، ومولى على خيار الناس، على الصحابة والمهاجرين، من الصحابة من المهاجرين والأنصار يعني من بقي منهم، ما الذي حصل نتيجة هذا الخلع؟ ما ذكر من نقض البيعة من استباحة المدينة، استبيحت المدينة، وقتل من أخلاط الناس أكثر من عشرة آلاف، منهم جمعٌ من حملة القرآن، وجالت الخيل في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وذكر أن المدينة خلت من أهلها، وبقيت ثمارها للعوافي من الطير والسباع، وكان ذلك سنة (63هـ)، هذه نتيجة الخروج على الأئمة.
وكم من أمير تمنى الناس زواله، بل قام الناس عليه وأطاحوا به، فصاروا يبكون عليه أشد البكاء، في القديم والحديث، ولا يأتي زمانٌ إلا والذي بعده شرٌ منه، والله المستعان.
على كل حال مطابقة الحديث للترجمة من حيث أن الذي ينقض البيعة قال في الغيبة خلاف ما قاله في الحضور، الترجمة: بابٌ: إذا قال عند قومٍ شيء ثم خرج فقال بخلافه، عند القوم بايع، فلما خرج نقض البيعة هذه وجه المطابقة.
شرح قوله: حدثنا أحمد بن يونس حدثنا أبو شهاب عن عوف عن أبي المنهال قال: لما كان ابن زياد ومروان بالشام ووثب ابن الزبير بمكة ووثب القراء بالبصرة فانطلقت مع أبي إلى أبي برزة الأسلمي حتى دخلنا عليه في داره وهو جالس في ظل علية له من قصب فجلسنا إليه فأنشأ أبي يستطعمه الحديث فقال: يا أبا برزة ألا ترى ما وقع فيه الناس، فأول شيء سمعته تكلم به: إني احتسبت عند الله أني أصبحت ساخطاً على أحياء قريش إنكم يا معشر العرب كنتم على الحال الذي علمتم من الذلة والقلة والضلالة، وإن الله أنقذكم بالإسلام وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- حتى بلغ بكم ما ترون، وهذه الدنيا التي أفسدت بينكم إن ذاك الذي بالشام والله إن يقاتل إلا على الدنيا، وإن هؤلاء الذين بين أظهركم والله إن يقاتلون إلا على الدنيا، وإن ذاك الذي بمكة والله إن يقاتل إلا على الدنيا"
ثم قال الإمام -رحمه الله-: "حدثنا أحمد بن يونس" اليربوعي، قال: "حدثنا أبو شهاب" عبد ربه بن نافع الحناط "عن عوف" ابن أبي جميلة الأعرابي "عن أبي المنهال" سيار بن سلامة "قال: لما كان ابن زياد" يعني عبد الله بن زياد "ومروان" ابن الحكم "بالشام ووثب ابن الزبير بمكة" يعني خرج على يزيد "ووثب القراء بالبصرة"، القراء من هم؟ الخوارج، "ووثب القراء بالبصرة فانطلقت مع أبي" سلامة هذا أبو المنهال سيار بن سلامة يقول: "انطلقت مع أبي –سلامة- إلى أبي برزة -نضلة بن عبيد- الأسلمي حتى دخلنا عليه في داره وهو جالس في ظل علية" غرفة من قصب في يومٍ شديد الحر "فجلسنا إليه، فأنشأ بي يستطعمه الحديث" يستدرجه في الحديث، يستطعمه الحديث يطلب منه الحديث بالتدريج، "فقال: يا أبا برزة ألا ترى ما وقع فيه الناس؟ فأول شيء سمعته تكلم به: إني احتسبت عند الله أني أصبحت ساخطاً على أحياء قريش"، يعني على قبائلها، "إنكم يا معشر العرب كنتم على الحال الذي علمتم من الذلة والقلة والضلالة، وإن الله أنقذكم -من ذلك كله- بالإسلام وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- حتى بلغ بكم ما ترون -من العزة والكثرة والهداية يعني خلاف ما تقدم- وهذه الدنيا التي أفسدت بينكم" إذ ذاك، "وهذه الدنيا التي أفسدت بينكم، إن ذاك الذي بالشام" يعني مروان بن الحكم، "والله إن يقاتل إلا على الدنيا"، يعني لما كان الاجتماع على الدين، والدنيا لا ينظر إليها لعلمهم بحقيقتها وأنها دار ممر، وأنها لا تستحق كل هذا النزاع والتشاحن، وأنها لا تعدل عند الله جناح بعوضة أموركم مستقيمة، مستقرة، "وهذه الدنيا التي أفسدت بينكم، إن ذاك الذي بالشام" يعني مروان "والله إن يقاتل إلا على الدنيا"، يعني لا يقاتل إلا على الدنيا، وجاء أيضاً في رواية أبي ذر: "وإن هؤلاء الذين بين أظهركم والله إن يقاتلون إلا على الدنيا، وإن ذاك الذي بمكة والله إن يقاتل إلا على الدنيا" يعني ابن الزبير، كلٌ منهم يقاتل يريد الحكم، والحكم لا شك أنه مطلبٌ من مطالب الدنيا، إلا إذا تعين على شخص وألزم به مثل هذا يرى أنه خدمة للدين وأهله، هذا لا يقاتل عن الدنيا، عمر بن عبد العزيز -رحمة الله عليه- مثله لا يقاتل على الدنيا، لكن في الجملة الملك من مطالب الدنيا، ومما يتوصل به إلى أغراض الدنيا.
فهذا الذي بالشام مروان بن الحكم يقاتل على إيش؟ "والله إن يقاتل إلا على الدنيا"، ابن الزبير الذي بمكة يقاتل على الدنيا يريد الملك، غيره الذين بين أظهركم بالمدينة وغيرها من القراء في البصرة كل هؤلاء يقاتلون على الدنيا، هذا من وجهة نظر أبي برزة.
الذي لم يدخل في مثل هذه الأمور قد لا يقدر حقيقة الحال على وجهها، هو حكم على هؤلاء أنهم يقاتلون من أجل الدنيا، وقد يكون فيهم من يقاتل لإحقاق حق، يعني إذا قلنا مثل هذا في ابن الزبير مثلاً، قد يقوله قائل في علي -رضي الله عنه- إن يقاتل إلا على الدنيا، قد يقوله في معاوية -رضي الله عنه-، مع أن كلاً منهم مجتهد في قتاله، ولذا لا يؤثّم بل يؤجر الفريقان لاسيما في مسألة علي ومعاوية -رضي الله عن الجميع-، نعم الإصابة مع علي، ومعاوية ومن معه مخطئون لكنهم لا يحرمون أجر الاجتهاد، هذا المقرر عند أهل العلم، ومع ذلكم الظاهر الذي يظهر للناس أن القتال من أجل الدنيا، كلٌ يريد الملك لنفسه، هذا الذي يظهر للناس، ولذا حكم أبو برزة على هؤلاء أنهم يقاتلون من أجل الدنيا، والله إن يقاتل إلا على الدنيا، يعني على ما ظهر له بالقرائن، وإلا فالنيات الله أعلم بها.
ووجه المطابقة للترجمة الذين عابهم أبو برزة كانوا يظهرون أنهم يقاتلون لأجل القيام بأمر الدين، كانوا يظهرون أن المقاتلة التي قاموا بها من أجل القيام بأمرِ الدين ونصر الحق، هذا الذي أظهره وهم في الباطن إنما يقاتلون لأجل الدنيا، والترجمة: إذا قال عند قومٍ شيئاً ثم خرج فقال بخلافه.
يعني لو جاء مجموعة وثاروا على إمام استتب له الأمر، نعم هناك مبررات هناك تأويل سائغ، وهؤلاء يسمون في عرف الشرع إيش؟ بغاة، ثاروا على الإمام، وظاهر دعواهم أنهم يريدون إحقاق الحق، مع أنهم بغاة، يريدون إحقاق الحق هذا في الظاهر، والله أعلم بالبواطن، وقد يكونوا صادقين، وإنما يحكم عليهم بظواهرهم، أبو برزة لما ظهر له من القرائن التي دلته على أن خروجهم وقتالهم إنما هو من أجل الدنيا، وأيضاً الذي يريد الحق ليس هذا طريقه، أنت ممنوع من هذا العمل مهما كان المبرر، ما لم يرَ الكفر البواح، وإلا فأي فسقٍ يصل إلى حد فسق يزيد، وليس هذا بمبرر للخروج عليه كما تقدم في كلام ابن عمر وغيره، وإن اجتهد من اجتهد، وإن أراد الإصلاح من أراده، فمثل هذا لا يبرر ما لم يرَ الحد الذي حدده الشارع، ما لم يرَ الكفر البواح، الذي فيه من الله برهان، فوجه لومهم أنهم أظهروا أنهم يريدون القيام بأمر الله، وهم إنما أرادوا القتال لأجل الدنيا.
وذكرنا مراراً أن الشخص قد يطلب ما هو مباح في أصله، أو يعمل عملاً مباحاً في الأصل، كأن يهاجر، كأن ينتقل من بلد إلى بلد يريد التجارة يلام؟ ما يلام، بحث عن زوجة في هذا البلد ما وجد انتقل إلى بلد آخر يريد أن يتزوج يلام؟ ما يلام، وسيق في حديث الأعمال بالنيات على سبيل الذم: ((من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه)) قد يهاجر من أجل الدنيا، وقد يهاجر من أجل الزواج، ويؤجر على ذلك، والسياق في الحديث سياق ذم، لكنه إنما ذم؛ لأنه أظهر خلاف ما يبطن، أظهر للناس أنه هاجر لله، بحث عن زوجة ما وجد في هذا البلد، فأشاع في الناس أن هناك في البلد الفلاني أناس عباد أخيار يروح يتعبد معهم، وهو ما قصده هذا، قصده الزوجة، أشاع في الناس أن هناك من العلماء من يلازمهم، وهم أولى من غيرهم بالملازمة وأحق، وهو يريد التجارة، فإذا أظهر خلاف ما يبطن جاء الذم، وإلا فالأصل أن الهجرة من أجل المباح مباحة، وذكرنا مثال: لو أن شخصاً إذا بقي على أذان المغرب يوم الاثنين من كل أسبوع نصف ساعة، أخذ التمر معه والماء والشاي والقهوة وجاء إلى المسجد، وفل السماط وانتظر، الأكل في المسجد مباح ما فيه شيء، هو ما صام، فل السماط وكل من دخل اتفضل يا أخي اتفضل، وانتظر إلى الأذان لما أذن قال: بسم الله وأكل التمر، وهو ما صام، هذا يذم وإلا ما يذم؟ هذا يذم بلا شك، وإن كان في الأصل الأكل مباح والأكل في المسجد ما فيه إشكال، لكن ترتيبه هذه الأمور ليدل على أنه..، ليظهر للناس أنه صائم، من هذه الحيثية يذم، وإلا فالأكل لا شيء فيه، والأكل في المسجد أيضاً مباح.
طالب:.......
خاصة إذا كان من الأخيار، يعني مثل ابن الزبير -رحمه الله-، إذا كانوا من أهل الفضل والخير، أبو برزة استدل بشيء وهو أنه وإن كان ظاهره الصلاح وقد نهي عن مثل هذا القتال؛ لأنه لم يرَ الكفر البواح، نهي عن مثل هذا القتال دل على أنه لا يريد الخير، هذا استنباط منه، فكونك منهي عن هذا القتال وتقاتل رغم أنك منهيٌ عنه شرعاً وتريد الخير هذا القرينة تدل على غير ذلك، وإلا ما يمنع أن يوجد أهل الغيرة والخير لا يعجبهم الوضع، ولا يصبرون على الضيم والظلم والأَثرة فيقول: نريد إحقاق الحق، لكن تريد إحقاق الحق من وجهه يا أخي لا من الوجوه التي نهي عنها، كلٌ يريد الخير، وكلٌ يريد الإصلاح لكن مع الوجوه الشرعية، والطرق المتاحة.
شرح قوله: حدثنا آدم بن أبي إياس حدثنا شعبة عن واصل الأحدب عن أبي وائل عن حذيفة بن اليمان قال: إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون"

ثم قال الإمام -رحمه الله تعالى-: "حدثنا آدم بن أبي إياس"، قال: "حدثنا شعبة" ابن الحجاج "عن واصل" ابن حيان "الأحدب عن أبي وائل" شقيق بن سلمة "عن حذيفة بن اليمان قال: إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- كانوا يومئذ يسرون، واليوم يجهرون"، على عهد النبي -عليه الصلاة والسلام- يسرون الكفر، ويظهرون الإسلام، واليوم يجهرون، يسرون الكفر فلا يتعدى شرهم إلى غيرهم، واليوم يجهرون، وهذه سنة إلهية أنه إذا قوي الحق اختفى الباطل والعكس إذا ضعف الحق ظهر الباطل، فالمنافقون يخشون من سطوة الحق، يسرون، لكن إذا ضعف الحق برزوا ونجم النفاق.
"إن المنافقين اليوم شرٌ منهم على عهد النبي -عليه الصلاة والسلام-" كانوا يسرون يبطنون الكفر، فلا يتعدى شرهم إلى غيرهم، واليوم يجهرون، إذا جهر المنافق وش صار؟ إيش يصير؟ كافر، أيهما أعظم شراً المنافق وإلا الكافر؟ أيهم أعظم شر؟ المنافق شره على نفسه، نعم ضرره على نفسه أعظم، ولذا استحق أن يكون في الدرك الأسفل من النار، لكن الشر إذا ظهر وأعلن تعدى ضرره إلى الآخرين، فيجهرون بنفاقهم ويطعنون في الدين وأهله علناً، ولا شك أن هذا نتيجة ضعف الحق وأهل الحق، فاليوم يجهرون كانوا يسرون واليوم يجهرون، كانوا يسرون لقوة الحق، وضعف أهل النفاق في مقابل أهل الحق، واليوم لما ضعف الحق صاروا يجهرون به فيطعنون في الدين وأهله علناً، هذا كلامُ من؟ كلام حذيفة -رضي الله عنه-، وما أشبه الليلة بالبارحة، يطعنون في الدين وأهله علناً، وذلك لضعف الحق وأهله، وهذا قاله حذيفة متى؟ في القرن الأول، يعني فلا نستغرب أن يوجد مثل هؤلاء بين أظهرنا، لا نستغرب بعد هذه القرون، بعد أن طال العهد بالناس واندرس كثيرٌ من العلم، اندرست كثيرٌ من معالم الدين، وصار أمور الناس كلها موالاتهم ومعاداتهم ومؤاخاتهم كلها على أمر الدنيا، وإذا كان هذا ابن عباس يقوله في عصره في القرن الأول، ولقد صارت عامة مؤاخاة الناس على إيش؟ على أمر الدنيا، عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا في القرن الأول، فكيف بوقتنا؟ والله المستعان.
هؤلاء الذين كانوا يسرون ويبطنون كفرهم صاروا يعلنونه ويظهرونه، ويخرجون على الأئمة، ومطابقة الحديث للترجمة من حيث أن جهرهم بالنفاق، وشهر السلاح على الناس هو القول بخلاف ما بذلوه من الطاعة، بذلوا الطاعة بالبيعة، فخروجهم على الأئمة، وشهرهم السلاح على وجوه الناس هذا خلاف ما بذلوه علناً، حتى حين بايعوا من بايعوا أولاً وخرجوا عليه آخراً، قاله ابن بطال.
على كل حال كلام حذيفة ظاهر، وهو الواقع، وهو الجاري على مر العصور والدهور أنه إذا قوي الحق اختفى الباطل وأهله، وأخفى الناس ما عندهم من دخلٍ ودخن ودغل، فإذا ضعف الحق برزوا، وهما كفتان، والدنيا والآخرة ضرتان كما هو مقرر عند أهل العلم، لا شك أنه إذا رجحت كفة خفت الأخرى، والصراع أمرٌ لا بد منه، وطريق الجنة ليس بالأمر السهل، والجنة حفت بالمكاره، لا بد أن يجد الإنسان في طريقه شيء لكن إن صبر وصابر وترسم النصوص الشرعية، ورسم منهجه على مراد الله -عز وجل- مثل هذا يصل، وهو على الصراط المستقيم، لكن إن تخبط يوم كذا ويوم كذا ويوم..، هذا في الغالب لا ينجح لا في أمور دينه ولا دنياه.
شرح قوله: حدثنا خلاد حدثنا مسعر عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي الشعثاء عن حذيفة قال: إنما كان النفاق على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان"
ثم قال -رحمه الله-: "حدثنا خلاد" يعني ابن يحيى السلمي، قال: "حدثنا مسعر" وهو ابن كدام "عن حبيب بن أبي ثابت" الكوفي "عن أبي الشعثاء" سليم من أسود المحاربي، في أبو الشعثاء ثاني، اسمه إيش؟
جابر بن زيد، هذا أبو الشعثاء سليم بن أسود المحاربي "عن حذيفة بن اليمان قال: إنما كان النفاق" يعني موجوداً "على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-" يعني لخفائه "فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان"، يعني الآن ما في نفاق خلاص، إذا جهر المنافق بكفره وأعلن كفره انتهى النفاق؛ لأن النفاق أن يبطن الإنسان خلاف ما يظهر، وهذا يظهر ويبطن شيء واحد، ما عنده شيء يخالف الظاهر الباطن، فصار كافراً، ولذا قال: "فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان"، يعني لظهوره.
شرح قوله: بابٌ: لا تقوم الساعة حتى يغبط أهل القبور:
ثم بعد هذا قال -رحمه الله-: "بابٌ: لا تقوم الساعة حتى يغبط أهل القبور"
معلوم أن الغبطة تمني مثل ما للغير من غير طلبٍ أو تمنٍ لزواله "حتى يغبط أهل القبور" وذلك حينما لا يكون للحياة حلاوة ولا طعم، يعني وجود الإنسان وعدمه، بل عدمه أفضل، وحينئذٍ يتمنى الموت، والمسلم إنما يتمنى الزيادة في العمر ليعمر هذه الأيام والليالي بما يرضي الله -عز وجل-، فإذا كان لا يتمكن من ذلك فالموت خيرٌ له، وإذا خشي أن يفقد ما هو أعظم من ذلك، قد يفقد رأس ماله من الفتن حينئذٍ يسوغ له أن يتمنى ذلك، وإلا فقد جاء النهي عن تمني الموت، ((لا يتمنين أحدكم الموت لضرٍ نزل به)) هذا في أمور الدنيا، لكن إذا خشي على دينه من الفتن، لا يصبر ولا يستطيع مقاومتها فإنه حينئذٍ يسوغ له ذلك؛ لأن طول الحياة إنما يطلب من أجل الزيادة والتزود، {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}
[(197) سورة البقرة]، إذا لم يتمكن من التزود أو خشي على رأس المال الذي هو الدين فلا قيمة للبقاء في هذه الحياة.
"لا تقوم الساعة حتى يغبط أهل القبور".
قال: "حدثنا إسماعيل" ابن أبي أويس، قال: "حدثني مالك" وهو ابن أنس "عن أبي الزناد" عبد الله بن ذكوان "عن الأعرج" عبد الرحمن بن هرمز "عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه))"، أي: يا ليتني كنت ميتاً، وذلكم عند ظهور الفتن، وخوف ذهاب الدين لغلبة الباطل وأهله، فإذا خشي الإنسان على دينه ساغ له أن يتمنى الموت، وطلب الحياة وطول الأمل إنما يرجى لزيادة العمل، فإذا لم تكن زيادة العمل ممكنة فلا مانع من تمني هذا الموت.
ثم قال: "باب: تغيير الزمان" يعني عن حاله الأول "حتى يعبدوا الأوثان"، وفي رواية أبي ذر: "حتى تعبد الأوثان"، "حتى يعبدوا الأوثان" إعراب يعبدوا؟
طالب:.......
طيب منصوب بـ(حتى).
طالب:.......
ينصب بإيش؟ كذا؟ ينصب بحذف النون؟
طالب:.......
حتى يعبدَ الأوثان.
طالب: في واو؟
ما في، حتى يعبدوا، الآن الأفعال الخمسة "حتى يقيموا" نعم.
طالب:.......
"حتى يعبدوا الأوثان"، والأوثان جمع وثن، والوثن معروف، مرَّ مراراً.
شرح قوله: حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال: قال سعيد بن المسيب: أخبرني أبو هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة)) وذو الخلصة طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية"
قال: "حدثنا أبو اليمان" وهو الحكم بن نافع، قال: "أخبرنا شعيب" ابن أبي حمزة "عن الزهري قال: قال سعيد بن المسيب: أخبرني أبو هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" في رواية أبي ذر: "أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول"، "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا تقوم الساعة حتى تضطرب -يعني تتحرك- أليات نساء دوس)) يعني عجائزهن، نساء دوس قبيلة أبي هريرة، هو دوسي من دوس، ((على ذي الخلصة)) وذو الخلصة طاغية دوس" أي صنمهم، "طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية" من دون الله -عز وجل-، فذو الخلصة طاغية دوس، يعني الصنم نفسه، أو موضعٌ ببلاد دوس فيه صنمٌ اسمه الخلصة، وعلى هذا الصنم الخلصة والموضع ذو الخلصة، يعني اللي في كتاب المغازي من الصحيح ما يؤيد أن ذا الخلصة المكان، وهنا الظاهر من اللفظ أن ذو الخلصة طاغية دوس، هل يستقيم أن نقول: ذو الخلصة طاغية دوس ونريد بذي الخلصة المكان والطاغية الصنم؟ يستقيم وإلا ما يستقيم؟ الآن طاغية دوس، ذو الخلصة طاغية دوس، الآن هذا طاغية خبر عن ذو؟ ذو الخلصة طاغية مبتدأ وخبر، فيكون ذو الخلصة هو الطاغية، وعلى هذا يكون هو الصنم، لكن إذا قلنا: ذو الخلصة طاغية دوس، جعلنا طاغية وصف للخلصة نفسها، أو بدل منها، بدل منها أو بيان، وحينئذٍ تتفق الرواية هنا مع التي في المغازي، لكن لا يوجد رواية بالجر من روايات الصحيح.
"طاغية دوس أي صنمهم التي كانوا يعبدون في الجاهلية"، وقد يطلق المحل ويراد به الحال والعكس، فلعل هذا منه، تغيير الزمان حتى يعبد الأوثان، هذا الحديث مناسب للشق الثاني من الترجمة وهو عبادة الأوثان.
شرح قوله: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله قال: حدثني سليمان بن بلال عن ثور بن زيد عن أبي الغيث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه)).
ثم قال: "حدثنا عبد العزيز" يعني ابن عبد الله الأويسي، قال: "حدثنا سليمان" يعني ابن بلال "عن ثور" ابن زيد "عن أبي الغيث" سالم مولى عبد الله بن مطيع "عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه)) هذا من تغيير الزمان، ووجه كونه تغييراً للزمان أن هذا الذي يسوق الناس بعصاه لكونه والياً عليهم، وهو من قحطان، والأصل أن الأئمة من قريش، فلا شك أن هذا فيه تغيير.
يقول القسطلاني نقلاً عن التذكرة للقرطبي: "لعل هذا الرجل هو الرجل الذي يقال له: الجهجاه"، القحطاني هذا يقال له: الجهجاه المذكور عند مسلم، وأصل الجهجهة: الصياح، تعقبه ابن حجر بأن هذا قحطاني، يعني من الأحرار، وذاك من الموالي، لا شك أنه غيره.
الآن أحاديث القحطاني التي جاءت فيه تدل على أنه ممدوح وإلا مذموم؟...