submit

rss

شرح نخبة الفكر (4)

شرح نخبة الفكر (4)
الكلام على: (الحسن - وزيادة الثقة - والمحفوظ والشاذ - والمعروف والمنكر - والفرد - والمحكم - ومختلف الحديث...)

الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
 


بل هذا ينفي أن يوجد كتاب أصح من صحيح مسلم وكونه ينفي وجود الأصح لا ينفي وجود المساوي، ولذا لا يحسن أن ينسب إليه الجزم بالأصحية، إذا قلت: لا يوجد أعلم من زيد، هل معنى هذا أنه لا يوجد مساوي له؟ أنت تنفي وجود الأعلم لكنك في الوقت نفسه لا تنفي وجود المساوي له في العلم، وعلى هذا لا يحسن أن ينسب إليه الجزم بالأصحية، وهذا يتأيد بحكاية قول ثالث في المسألة، وهو أن الصحيحين في مرتبة واحدة من حيث الأصحية، هما سواء، لكن جماهير أهل العلم والذي يشهد له الواقع أن صحيح البخاري أشد، أقوى في الصحة، أقوى وهو الذي يؤيده الواقع ويشهد له، لا شك أن الإمام البخاري يتحرى، ولا يعني أننا إذا قلنا: إن صحيح البخاري أصح أن في مسلم أحاديث غير صحيحة، لا، هناك الصحيح وهناك الأصح، على أن مسلماً -رحمه الله تعالى- يسوق الحديث في موضع واحد بطرقه وأسانيده، فيجعل الحديث الذي تكلم فيه من بين هذه الأسانيد المذكورة يرتفع وينجبر الكلام فيه بما ذكر معه.

أول من صنف في الصحيحِ*** محمد وخص بالترجيحِ
ومسلم بعد وبعض الغرب مع***أبي علي فضلوا ذا لو نفع

وهذه المفاضلة إجمالية، ولا تعني أن كل حديث في صحيح البخاري أصح من كل حديث في صحيح مسلم، بل إجمالاً الأحاديث المحكوم عليها بأنها أصح في صحيح البخاري أكثر من الأحاديث الأصح في صحيح مسلم، ثم يلي ما خرجه مسلم في صحيحه عرفنا أن الدرجة الأولى المتفق عليه يعني ما خرجه الشيخان، الثاني: ما تفرد به البخاري، ثم ما تفرد به مسلم، ثم يلي ما خرجه مسلم متفرداً به ما حوى شرطهما، شرط الشيخين معاً، يعني عند غيرهم، وكثيراً ما نسمع الحاكم يقول: صحيح على شرطهما، صحيح على شرطهما، وأحياناً يقول: صحيح على شرط البخاري، وأحياناً يقول: صحيح على شرط مسلم، وأحياناً يقول: صحيح فقط من غير أن يضيفه إلى شرطهما أو شرط واحد منهما فما المراد بشرط الشيخين؟ اختلف العلماء في المراد بشرط الشيخين على أقوال:
جمع من أهل العلم يرون أن المراد بشرطهما رواتهما مع باقي شروط الصحيح، يعني إذا وجدنا هذا الحديث عند أبي داود مثلاً مخرج بإسناد خرج له البخاري ومسلم بالصورة المجتمعة نقول: صحيح على شرطهما، نعم، نقول: صحيح على شرطهما، وجدنا حديث عند أبي داود أو عند غيره من أصحاب السنن مخرج بسند خرج فيه البخاري أحاديث في الصورة المجتمعة ولم يخرج لهم أو لبعضهم مسلم نقول: صحيح على شرط البخاري، إذا وجدنا الحديث خرج برواة أخرج لهم البخاري بالصورة المجتمعة لا يعني أننا نلفق مجرد ما ننظر أن هذا الراوي مرموز له برمز البخاري ومسلم، نقول: شرط البخاري ومسلم ولو روى عن شخص ما روى عنه في الصحيحين أو أحدهم، لماذا؟ لأن بعض الرواة قد يوثق توثيق نسبي في روايته عن بعض الشيوخ، ويضعف في روايته عن آخرين، ولو كان الشيخ الثاني الذي ضعفت روايته عنه ثقة، يعني إذا كان شخص ملازم لشيخ فروى عنه تكون روايته مع طول الملازمة أقوى من رواية غيره، فهذا الشخص الذي لازم هذا الشيخ لو روى عن شيخ آخر ما لازمه تلك الملازمة المطلوبة تكون روايته أقل من روايته عن شيخه الذي لازمه، وإن كان الشيخان في رتبة واحدة من التوثيق، فلا بد من أن يكون الحديث على شرطهما من اجتماع الصورة واكتمالها، فلان عن فلان عن فلان بهذا خرج في الصحيح.
بهذا أقول: قال ابن الصلاح والنووي وابن دقيق العيد والذهبي والحافظ ابن حجر وجمع من أهل العلم، يقول السخاوي: "ويقويه تصرف الحاكم في مستدركه، فإذا كان عنده الحديث قد أخرجا معاً لرواته فإنه يقول: صحيح على شرط الشيخين"، يعني وإن كان الحديث عنده قد أخرج لرواته البخاري فقط قال: صحيح على شرط البخاري، وإن كان عند مسلم فقط قال: صحيح على شرط مسلم وهكذا، وإذا كان بعض رواته لم يخرجا له قال: صحيح الإسناد فحسب ولا يضيفه إلى أحد الشيخين، فلا يقول: على شرطهما ولا على شرط واحد منهما.
ومن أصرح ما يستدل به من كلام الحاكم أنه خرج حديثاً من طريق أبي عثمان وقال بعده: صحيح الإسناد، وأبو عثمان ليس هو النهدي، ولو كان النهدي لقلت: إنه على شرطهما، هذا يقوي القول بأن المراد بشرط الشيخين رواة الصحيحين، واضح وإلا ما هو بواضح؟ نعم، طيب الحاكم نفسه في مقدمة المستدرك يقول: "وأنا أستعين الله على إخراج أحاديث رواتها ثقات، احتج بمثلهم الشيخان" احتج بمثلهم، إيش يعني مثلهم؟ يعني ما احتج بهم أنفسهم، احتج بمثلهم الشيخان، ولم يحتج الشيخان بهم أنفسهم، هذا يخالف الكلام الذي قررناه؟ يخالف؛ لأن مثل الشيء ليس هو الشيء نفسه، إذا قلت: هذا الكتاب مثل هذا الكتاب يعني أن هذا الكتاب هو ذلك الكتاب؟ لا، واضح وإلا لا؟ ابن حجر يقرر أن هذا لا يؤثر على ما قرروه، لماذا؟ يقول: "المثلية تستعمل في حقيقتها وفي مجازها -تستعمل في حقيقتها وفي مجازها- فتستعمل في حقيقتها إذا أخرج لرواة غير رجال الصحيحين"، يعني مثل رجال الصحيحين وهم غيرهم، وتستعمل في مجازها إذا خرج لرواة أخرج لهم الشيخان بأنفسهم وأعيانهم، واستعمال اللفظ في معنييه عند الشافعية سائغ، استعمل اللفظ في آن واحد في حقيقته ومجازه ويمنعه الأكثر، ويستدل الحافظ بقصة شخص قال لآخر: اشترِ لي مثل هذا الثوب الذي معك، اشترِ لي مثل هذا الثوب الذي معك، فذهب الوكيل إلى صاحب الثوب نفسه واشترى الثوب، نعم، اشترى الثوب، فلما جاء إلى الموكل قال: أنا ما قلت لك: اشترِ لي الثوب، قلت لك: اشترِ لي مثل هذا الثوب، فتخاصما عند شريح القاضي، فألزم الموكل بأخذ الثوب وقال له: لا شيء أشبه بالشيء من الشيء نفسه، لا شيء أشبه بالشيء من الشيء نفسه، يعني هل هناك هدف للحاكم حينما يعدل عن رواة الصحيحين إلى أمثالهم ونظرائهم؟ هل هناك فائدة؟ نعم، ليس هناك فائدة، يعني لما ترى سيارة تعجبك مع شخص تقول: كم؟ يقول: والله هذه اشتراها فلان بعشرين ألف، تقول له: تراني أنا موكل لك إن وجدت لي مثل هذه، هذه فرصة مثل هذه السيارة بعشرين ألف، سيارة جيدة والسعر مناسب، فذهب إلى صاحب السيارة قال: أعطه إياه بالعشرين، هل لك أن تقول: أنا لا أريد السيارة نفسها أنا أريد مثلها؟ أنت ما حددت سيارة بعينها تريدها، إنما أعجبتك هذه السيارة ولا شيء أشبه بها منها، فعلى هذا يكون استعمال الحاكم للمثلية هنا للرواة أنفسهم، وخرج في كتابه لرواة رأى من وجهة نظره أنهم مثل رواة الصحيحين في القوة، وإن كان بينهم مفاوز؛ لأن الحاكم -رحمه الله تعالى- معروف تساهله، ذهب الحاكم أبو عبد الله إلى أن شرطهما أن يروي الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صحابي زال عنه اسم الجهالة بأن يروي عنه تابعيان عدلان، ثم يروي عن التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة، وله راويان ثقتان ثم يرويه عنه من أتباع التابعين حافظ متقن وله رواة من الطبقة الرابعة، ثم يكون شيخه البخاري أو مسلم حافظاً مشهوراً بالعدالة في روايته"، هل هذا الكلام صحيح؟ ألا يوجد وحدان في الصحيحين مما ليس إلا راوٍ واحد؟ وجد، إذاً كلام الحاكم هنا غير دقيق، وهذا الذي رد عليه في اشتراط التعدد في الرواية وأنه شرط للصحيح، لما تكلم على العزيز قال:

وليس شرطاً للصحيح فاعلمِ***وقيل: شرط وهو قول الحاكمِ

هذا هو، وعلى هذا فقوله ضعيف هنا، واعترض على هذا القول بما في الصحيحين من الغرائب بالنسبة للأحاديث، ومن الوحدان بالنسبة للرواة، قال ابن طاهر في شروط الأئمة: "شرط البخاري ومسلم أن يخرج الحديث المجمع على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور، شرط البخاري ومسلم أن يخرج الحديث المجمع على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور واعترض على هذا القول بأنهما قد خرجا لبعض من مس بضرب من التجريح، فعلى هذا لم يتفق على هؤلاء الرواة، بعض الرواة في الصحيحين قد تكلم فيه، إذاً هم غير متفق عليه، وقال الحازمي: "شرط البخاري أن يخرج ما اتصل إسناده بالثقات المتقنين الملازمين لمن أخذوا عنهم ملازمة طويلة، وقد يخرج أحياناً -هذا شرط البخاري- أن يخرج ما اتصل إسناده بالثقات المتقنين الملازمين لمن أخذوا عنهم ملازمة طويلة"، خلاصة ما يقوله الحازمي أن للرواة مع شيوخهم أحوال، أو يمكن أن يقسم الرواة إلى طبقات:
الطبقة الأولى: من اتصفوا بالضبط والإتقان مع ملازمة الشيوخ، هذه الطبقة الأولى.
الطبقة الثانية: من شاركوا الأولى في الضبط والحفظ والإتقان، وخفة ملازمتهم للشيوخ.
الطبقة الثالثة: من لازموا الشيوخ مع خفة في الضبط والحفظ والإتقان لا يصل إلى حد القدح.
الطبقة الرابعة: من ضعف فيهم الأمران، خفة ملازمتهم للشيوخ مع خفة ضبطهم وحفظهم وإتقانهم.
الطبقة الخامسة: يقول: نفر من الضعفاء والمجهولين.
فالطبقة الأولى هم شرط البخاري الذين اتصفوا بالأمرين معاً: الحفظ والضبط والإتقان مع ملازمة الشيوخ، وقد ينزل فينتقي من أحاديث الطبقة الثانية الذين هم ما زالوا في الحفظ والضبط والإتقان، لكن خفة ملازمتهم للشيوخ.
الإمام مسلم يستوعب أحاديث الطبقة الأولى والثانية، وقد ينزل إلى الثالثة من لازموا الشيوخ مع كونهم خف ضبطهم وإتقانهم شيئاً يسيراً، ينزل إلى الطبقة الثالثة التي هي شرط أبي داود والنسائي، وقد ينزل أبو داود والنسائي إلى الطبقة الرابعة التي هي شرط أبي عيسى الترمذي وابن ماجه، وأما الطبقة الخامسة فلا يعرج عليها إلا أبو عيسى الترمذي أحياناً وابن ماجه، إذا تصورنا هذه الطبقات الخمس للرواة عرفنا ترتيب الكتب وشدة تحري أصحابها، هذا خلاصة ما قاله الحازمي في شروط الأئمة الخمسة، وعلى كل حال الأصح من هذه الأقوال هو القول الأول، وهو أن المراد بشرط الشيخين رواتهما.

وأرفع الصحيح مرويهما***ثم البخاري فمسلم فما
شرطهما حوى فشرط الجعفي***فمسلم فشرطُ غيرٍ يكفي

وعلى هذا تخرج لنا سبعة أقسام: ما اتفق الشيخان على إخراجه، ما انفرد البخاري بتخريجه، ما انفرد مسلم بإخراجه، ما كان على شرطهما معاً، ما كان على شرط البخاري، ما كان على شرط مسلم، قسم سابع: ما صح عند غيرهما مما هو ليس على شرطهما، وعلى هذا على طالب العلم أن يعتني بما اتفق عليه الشيخان؛ لأنه أصح الصحيح، ما اتفق عليه الشيخان أصح الصحيح، وألفت فيه الكتب، منها: (زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم) هذا كتاب لأحد الشناقطة مطبوع مع شرحه في خمسة أجزاء، لكن ترتيبه غث، أجود منه في الترتيب (اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان) لمحمد فؤاد عبد الباقي اعتمد فيه ترتيب مسلم، ومسلم مبدع في الترتيب، ولو اعتنى الإنسان بنفسه وتوصل إلى المتفق عليه بجهده كان أفضل من أن يقلد أحداً، ومن السهولة أن يطلع الإنسان على ما اتفق عليه، الآن كل شيء متيسر، تحفة الأشراف إذا وجدت الرمز فيه الخاء والميم فهو متفق عليه، بهذه الطريقة تجمع ما اتفق عليه الشيخان، وتعتني به وتجعله ديدنك، ثم تعتني بما تفرد به البخاري؛ لأنه هو الدرجة الثانية بعد المتفق عليه، فتأخذ ما زاد عند البخاري، ثم تأخذ ما زاد عند مسلم، بعضهم يقول: أختصر فأخذ البخاري جملة، ثم أخذ زوائد مسلم هذا جيد، هذا جيد وفي ضوء هذا تدرك ما اتفق عليه الشيخان، لكن أولويات المسألة والعمر لا يتسع لحفظ الجميع ومطالعة الجميع دفعة واحدة، فإذا اعتنى الإنسان في المتفق عليه وتصوره وحفظه -إن أمكن- صار مباشرة يسمع حديث يقول: هذا حديث متفق عليه؛ لأنه استخرج هذه الأحاديث بنفسه وتعب عليها، الذي يحفظ العمدة -عمدة الأحكام- مجرد ما يسمع حديث من أحاديث العمدة يقول: هذا في الصحيحين؛ لأن من شرط صاحب العمدة أن يكون مما اتفق عليه، وإن أخل بشرطه أحياناً، لكن هذا نافع لطالب العلم زاد له في المستقبل، ثم بعد هذا يأخذ ما زاد على ما اتفق عليه، ما انفرد به البخاري ثم ما انفرد به مسلم، ثم يأخذ زوائد أبي داود على الصحيحين، ثم زوائد الترمذي، ثم زوائد النسائي، ثم زوائد ابن ماجه، ثم يأخذ زوائد الموطأ والمسند وهكذا ويضيف، ولتكن عنايته ومطالعته ومدارسته للكتب الأصلية بأسانيدها يقرأ ويحلل ويعتني ويشرح ويراجع الشروح على الكتب الأصلية، الحفظ قد لا يتسنى له الكتب الأصلية بأسانيدها بهذه الطريقة التي ذكرناها، والله المستعان.
طالب:.......
اللفظ ليس مقصوداً، إذا اتحد الصحابي والمعنى واحد فهو متفق عليه، إذا اتحد الصحابي والمعنى واحد فهو متفق عليه، ولو اختلف المتن.
طالب:.......
أقول: في النوع الذي يجمع للحفظ نعم.
طالب: المتابعات والشواهد.
المتابعات والشواهد، أقول: المتابعات والشواهد هي داخلة في كتاب تلقته الأمة بالقبول، وليس فيها الضعيف نعم، قد يوجد فيها ما ينزل عن شرطه، نعم لأنه لم يعتمد عليه، قد يوجد فيها من تكلم فيه بكلام خفيف؛ لأن البخاري أو مسلم لم يعتمد على هذا الإسناد، اعتمد على غيره، ويأتي ذكر المتابعات والشواهد وأنه يتسامح فيها ما لا يتسامح ويتجاوز في الأصول، يأتي هذا -إن شاء الله- قريب.
طالب:.......
هذه مسألة مهمة والإخوان الذين يوجهون الطلاب إلى الحفظ ويعتنون به كانوا في أول الأمر يعتنون بلفظ مسلم، ويأخذون زوائد البخاري، حصل في هذا مناقشات طويلة، وحجتهم في ذلك أن مسلم يعتني بالألفاظ، بألفاظ الرواة وينبه على الاختلاف، ولو كان يسيراً لا يترتب عليه فائدة، وهذا يدل على دقة تحريه، حدثنا فلان وفلان واللفظ لفلان، حدثنا فلان وفلان قال فلان: أخبرنا، وقال الآخر: حدثنا، يعتني بهذه الأمور بدقة، ويبين فروق الروايات باستيعاب لهذه الفروق، البخاري ما يعتني بهذا أبداً، البخاري ما يعتني بهذا، قد يروي الحديث عن مجموعة اثنين ثلاثة ومع ذلكم لا يبين صاحب اللفظ، لكن ظهر بالاستقراء من صنيعه أن اللفظ يكون للأخير، اللفظ يكون للأخير، هل هذا يرجح لفظ مسلم على لفظ البخاري؟ ويكون ترجيح مسلم في الحفظ على البخاري له وجه أو لا؟ له وجه وإلا ما له وجه؟ أقول: لا وجه له، لماذا؟ الإمام مسلم حينما يبين ألفاظ هؤلاء الرواة الذين أخرج الحديث من طريقهم نعم، وقد جوزنا لهؤلاء الرواة أن يرووا بالمعنى، هل معنى هذا أننا نجزم الذي في صحيح مسلم هو لفظ النبي -عليه الصلاة والسلام-؟ هو لفظ من نسب إليه من الرواة بدقة، الإمام مسلم يتحرى في هذا، الإمام البخاري ينقل عن رواة وكلهم ثقات ما رووه عن النبي -عليه الصلاة والسلام- بالمعنى؛ لأن جماهير أهل العلم يجوزون الرواية بالمعنى، فنحن نجزم أن هذا اللفظ لقتيبة بن سعيد من شيوخ مسلم لا لأبي بكر بن أبي شيبة، لكن هل نجزم أن قتيبة بن سعيد روى لنا اللفظ النبوي وهو من يجوز الرواية بالمعنى؟ بينما لو وجد في البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف ومحمد بن سلام نعم وما بين لفظ أحدهما، ما نجزم أن هذا لفظ هذا أو ذاك، لكن نجزم أن هذين وهما من الثقات رووا لنا هذا الحديث عن النبي -عليه الصلاة والسلام- بالمعنى، وقد يكون رووه باللفظ، فمسلم حين يبين لنا أن هذا اللفظ عن هذا الراوي بدقة، أو عن هذا الراوي بدقة لن يخرج عن كون الرواية بالمعنى جائزة، فهذا اللفظ المسوق لهذا الرواي، لكن هل هذا اللفظ هو لفظ النبي -عليه الصلاة والسلام-؟ نعم، الله أعلم.
كيف؟
طالب:.......
لا، أنا أقول لك: مسلم لما يروي الحديث عن مجموعة من رواته -من الرواة- يقول: واللفظ لفلان، لفظ الخبر الذي ساقه لفلان، أي هو رجح هذا اللفظ على اللفظ الثاني حدثنا قتيبة بن سعيد نعم وأبو بكر بن أبي شيبة ويحيى بن يحيى ثلاثة، واللفظ ليحيى، إذاً ما الذي لأبي بكر بن أبي شيبة وقتيبة؟ المعنى قطعاً، وكل من الثلاثة روى الحديث بالمعنى، لا يلزم أن يكون رووه باللفظ، ما الذي يدرينا أن قتيبة أو يحيى رواه باللفظ عن النبي -عليه الصلاة والسلام-؟ بينما البخاري يروي عن هؤلاء الثلاثة أو اثنين مثلاً ولا يقول: اللفظ لفلان، هل يختلف صنيع هذا عن صنيع هذا بالنسبة لما ينسب إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-؟ ما يختلف ترى، ما في كبير اختلاف، وإن كان بالاستقراء ظهر أن اللفظ الذي يسوقه البخاري للثاني منهما، للأخير وليس للأول، يعني مسلم حينما يعتني ببيان صاحب اللفظ ويهمله البخاري وعرف من طريقته وقاعدته المطردة أنه للأخير منهما لا يعني أن هذا لفظ النبي -عليه الصلاة والسلام-، ولا أن ذاك لفظ النبي -عليه
الصلاة والسلام-؛ لأن جماهير أهل العلم يجوزون الرواية بالمعنى، وإلا فماذا لو قال: حدثنا قتيبة بن سعيد ويحيى بن يحيى واللفظ، نعم لقتيبة مثلاً، وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وآخر من شيوخه واللفظ لفلان ثم جاء لنا بلفظ مخالف عن لفظ الأول، كون هذا لفظ أبي بكر بن أبي شيبة صرح به أنه لفظ أبي بكر بن أبي شيبة، والأول لفظ قتيبة بن سعيد ونقارن بينهما المعنى واحد، لكن هل نجزم أن هذا لفظ النبي أو ذاك؟ الله أعلم.
لا نشك في أن هذا المعنى قاله النبي -عليه الصلاة والسلام-، جماهير أهل العلم على تجويز الرواية بالمعنى على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى-.
فعلى هذا ينبغي أن يعتني طالب العلم بصحيح البخاري، ويصرف جل همه وأكثر وقته لصحيح البخاري، يعني بعد كتاب الله -عز وجل- هذا الأمر ما يختلف فيه أحد، ثم يأخذ زوائد مسلم من مسلم على البخاري، ثم يأخذ زوائد أبي داود وهكذا، وبالتدريج لو يحرر كل يوم حديث أو حديثين أو ثلاثة ما يأخذ له عشر سنين إلا وهو منهي الستة، منهي الستة، لكن الإشكال أننا نتعاظم، كم عشرين مجلد؟ مستحيل تحفظ هذه، والتسويف وطول الأمل كل هذا يعوق عن التحصيل، والله الآن إجازة الناس رايحين جايين خلي بيننا ارتبطنا بدنا ما نروح ولا نجي إلى بداية الدراسة، إذا جاءت الدراسة الآن ننتبه لرمضان خليه إذا أفطرنا -إن شاء الله-، ثم إذا أفطر قال: الحين جاء الحج، وإذا تفرغنا بدأ الحج خلاص ما صار عندنا شيء، بعد الحج لا والله جاءت الاختبارات خلينا بالإجازة وهذا..، العمر يفوت هكذا، العمر يضيع بهذه الطريقة، لكن من..، إذا هممت بأمر خير فاعجل، خلاص قررت ابدأ اليوم، لو تحفظ حديث في اليوم أو آية في اليوم، خليك أسوأ الناس حفظ، على أسوأ الاحتمالات أنك أسوأ الناس حفظ احفظ آية، احفظ آية، عشرين سنة وتحفظ القرآن كامل، لكن تقول: اليوم، غداً، بكرة، الإجازة، ليالي الشتاء المباركة، في نهار الصيف الطويل، ثم خلاص ينتهي العمر وما سويت شيء، ونعرف بعض الشباب وهم أئمة مساجد يحفظون رياض الصالحين، كيف حفظ رياض الصالحين؟ وفي أحد اتجهت همته لحفظ رياض الصالحين؟ نعم، ما في أحد، ليش؟ كيف حفظوا رياض الصالحين؟ بعد صلاة العصر يقرأ على الجمع أحاديث، حفظ الحديث يكلفه شيء؟ يقرأ حفظ بدل ما يقرأ في الكتاب، الحديث ثلاثة أسطر أربعة يحفظه ثم يلقيه على الجماعة سنة واحدة أو سنة ونصف وهو منتهي من الكتاب أو سنتين، وصار عنده خير عظيم من أحاديث الآداب والأخلاق التي يهملها كثير من الناس، لكن مع التدريج، التدريج وترك التسويف وطرح طول الأمل، والله المستعان، يعني إذا حدثتك نفسك أنك إذا جاءت الإجازة تحفظ من يضمن لك أن تدرك الإجازة، والله المستعان.
يقول: ما هي المنهجية المثلى في طلب علم الحديث؟
علم الحديث يشمل القواعد التي يتوصل بها إلى الإثبات والنفي، إلى القبول والرد، وهذا ما يعرف بعلوم الحديث ومصطلح الحديث، وعلم الحديث يطلق ويراد به أيضاً الهدف والغاية الذي هو ما يضاف إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- من قول أو فعل أو تقرير، فما يتعلق بعلوم الحديث وقواعده عرفنا أن طالب العلم عليه أن يسلك الجادة، الطريق المتبع عند أهل العلم فيبدأ بالمختصر وليكن..، تكن البداية بالنخبة مثلاً، ثم اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير، ثم الألفية، فإذا أتقن هذه الكتب وضبطها وراجع عليها الشروح وسمع ما عليها من أشرطة فإنه يكون حينئذ أتقن العلم نظرياً على طريقة المتأخرين، وعلى قواعدهم.
يبقى أنه عليه أن يطبق يخرج الأحاديث، وينظر في الأسانيد، ويصحح ويضعف أيضاً على قواعد المتأخرين، فإذا تمرن وتمكن وصارت لديه أهلية للنظر والموازنة بين الطرق، وعرف المخالفة والموافقة واختلاف الرواة، واستطاع أن يحاكي المتقدمين في طريقتهم في أحكامهم على الأحاديث تعين عليه ذلك؛ لأن المتأخرين عالة على المتقدمين، وهذا انتيهنا منه.
علم الحديث الذي هو المتن المضاف إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-، الجادة والطريقة عند أهل العلم أن يبدأ بالمتون الصغيرة، فيحفظ الأربعين، ثم العمدة، ثم البلوغ، ثم بعد ذلكم يقرأ في الكتب المسندة، ويعتني بالصحيحين، ويجعل جل همه للبخاري ثم مسلم، فإذا أتقن الصحيحين انتقل إلى السنن فعني بسنن أبي داود والترمذي، ثم مرحلة ثالثة يعنى بسنن النسائي وابن ماجه ثم ينتقل بعد ذلك إلى المسند والموطأ وغيرها من كتب السنة.
على كل حال هذا خير ما يسلك، لكن بعض الناس يقرأ في الكتب الطويلة وهو ما حفظ الكتب الصغيرة المختصرة، هذا يضيع غالباً، على كل حال العلم مثل السطح يحتاج إلى سلم تصعد فيه درجة درجة حتى تصل، فإذا قرأت في المتون المختصرة وحفظتها، وقرأت شروحها وأتقنتها لك أن ترقى بعد ذلك للكتب المطولة المسندة، وإذا كانت الحاجة تسعف وهناك مزيد حفظ، فليعتني بحفظ الكتاب والسنة؛ لأنهم..، هما العدة وهم العمدة التي يعتمد عليها طالب العلم في تأصيل علمه وتأسيسه.
الحديث الحسن ظني الثبوت فهل هو ظني الدلالة أيضاً؟
لا ترابط بين الثبوت والدلالة، لا ترابط بين الثبوت والدلالة، فقد يكون الخبر قطعي الثبوت ظني الدلالة، وقد يكون العكس، قد يكون بالعكس قطعي الثبوت ظني الدلالة.
ما رأيكم في قوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}
[(2) سورة الكوثر] من حيث الثبوت؟
قطعي، لكن دلالة {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} على صلاة العيد مثلاً أو نحر الهدي والأضحية، أو على وضع اليدين على النحر، هل دلالته على هذه المسائل قطعية؟ لا ليست قطعية، إنما هي ظن راجح فهي ظنية، هنا الدلالة ظنية والنص قطعي، هناك أدلة ظنية دلالتها على المسائل قطعية لا تحتمل أكثر من معنى، فالخبر الصحيح إذا لم تحتف به قرينة فهو ظني، الخبر الحسن إذا لم تحتف به قرينة فهو ظني، ومع كونه ظنياً من حيث الثبوت إلا أنه قد يكون قطعياً في الدلالة بحيث لا يحتمل معناه غير ما يتبادر إلى الذهن، فيكون نصاً في الموضوع، أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بإخراج العواتق والحيض إلى صلاة العيد، هذا أمر لا يحتمل غير الأمر، فرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زكاة الفطر من رمضان، هل في احتمال أن يكون معنى الحديث أنه فرض زكاة المال مثلاً؟ لا، زكاة الفطر من رمضان نص في الباب فهو قطعي الدلالة، وإن كان ثبوته ظنياً، نعم.
عرفنا أن المعتمد عند أهل العلم أنه لا يمكن أن يطلق على سند بأنه صح مطلقاً، لماذا؟ لو نظرنا إلى ما اختاره الإمام البخاري إمام أهل الحديث، واختار الإمام البخاري أن أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر، ابدأ بابن عمر هل هو أوثق الصحابة وأضبطهم؟ هل هو أعدل من أبيه وأوثق من أبيه؟ لا، هل هو أضبط من أبي هريرة وأحفظ من أبي هريرة؟ لا، إذاً في الصحابة من هو أوثق وأضبط منه، فكيف نقول: إن ما جاءنا من طريق ابن عمر أصح الأسانيد؟ ننظر إلى نافع الذي بعده الأكثر على أن سالم أجل من نافع، إذاً كيف نقول بقول البخاري وهو يقول: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر؟ يعني في قول الإمام أحمد وقد تلافى مسألة نافع فقال: سالم، ما رواه سالم عن الزهري عن أبيه، يبقى المشكلة في ابن عمر هل هو أوثق من أبيه؟ لنقول: إن ما يرويه أصح مما يرويه أبوه؟ هذه المسألة حقيقة الكلام في أصح الأحاديث، أصح الأسانيد، أصح الكتب كل هذه أمور نسبية، إجمالية، إجمالية، فحينما نقول: إن البخاري أصح كتاب بعد كتاب الله لا يعني أن كل حديث في البخاري أصح من كل حديث في مسلم، إنما هو ترجيح إجمالي، والله المستعان.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سم.
الحسن لذاته:
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: "فإن خف الضبط: فالحسن لذاته، وبكثرة طرقه يصحح، فإن جمعا فللتردد في الناقل حيث التفرد، وإلا فباعتبار إسنادين".
يقول الحافظ -رحمه الله تعالى-: "فإن خف الضبط فالحسن لذاته"، المراد إذا خف الضبط يعين قل الضبط المشترط للصحيح لذاته الذي سبق وهو تمامه مع بقية الشروط مع توافر بقية الشروط، قلنا: إن المشترط لصحة الحديث: عدالة الرواة، تمام الضبط، اتصال السند، انتفاء الشذوذ، انتفاء العلة، نشترط للحسن لذاته: عدالة الرواة، الضبط -لا نقول: تمام الضبط- يخف قليلاً، اتصال الإسناد، انتفاء الشذوذ، انتفاء العلة، إذا خف الضبط ولم يصل إلى حد يكون فيه الراوي سيء الحفظ ولا كثير الغلط، فإنه ينزل حديثه من درجة الصحيح إلى درجة الحسن لذاته، فالحسن لذاته ما اتصل إسناده بنقل عدل خف ضبطه، غير معل ولا شاذ، ما اتصل إسناده بنقل عدل خف ضبطه غير معل ولا شاذ، هذا ما اختاره الحافظ ابن حجر -رحمه الله-، وتبعه جمع ممن جاء بعده.
عرفه الخطابي بقوله: "ما عرف مخرجه واشتهر رجاله"، فلم يشترط انتفاء الشذوذ، ولا انتفاء العلة، وفيه مناقشات طويلة حول تعريف الخطابي، وأجوبة لا يتسع المقام لبسطها.
الترمذي عرف الحسن بقوله: "كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا،ً ويرى من غير وجه نحو ذاك"، فاشترط لتسمية الحديث حسناً ثلاثة شروط، لكنه لم يشترط اتصال السند، فيدخل فيه المنقطع بكافة أنواعه، ولم يشترط انتفاء العلة القادحة، فيدخل فيه المعل.
ابن الجوزي عرف الحسن بقوله: "الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل"، هناك مناقشات طويلة حول هذا التعريف حتى قال السخاوي: إنه ليس على طريقة التعاريف، ما فيه ضعف قريب محتمل، هذا ليس على طريقة التعاريف يعني التي من شرطها أن تكون جامعة مانعة، لا شك أن الحسن لكونه مرتبة متوسطة مترددة بين الصحة والضعف صعب الحد، تعريفه فيه صعوبة، حتى حكم جمع من أهل العلم أنه ميئوس من تعريفه، لماذا؟ لأنه مرتبة متوسطة، السقف معروف، والأرض معروفة، لكن الهواء الذي بينهما؟ إما أن يطلع حتى يقرب من السقف، أو ينزل نزولاً شديداً حتى يقرب من الأرض، يقول الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:

والحسن المعروف مخرجاً وقد***اشتهرت رجاله بذاك حد
(حمد) –يعني الخطابي- وقال الترمذي: ما سلم***من الشذوذ مع راوٍ ما اتهم
بكذب ولم يكن فرداً ورد***قلت: وقد حسن بعض ما انفرد
وقيل: ما ضعف قريب محتمل***فيه وما بكل ذا حد حصل

كل هذه التعاريف ما حصل بها الحد.

وقيل: ما ضعف قريب محتمل*** فيه وما بكل ذا حد حصل

فأقرب التعاريف هو تعريف الحافظ الذي ذكره هنا، "بكثرة طرقه يصحح" الحسن لذاته إذا جاء من أكثر من طريق كل منها حسن بذاته فإنه يصل إلى درجة الصحيح لغيره، فالصحيح لغيره هو الحسن لذاته إذا تعددت طرقه، يقول ابن حجر: "لأن للصورة المجموعة قوة تجبر القدر الذي قصر به ضبط راوي الحسن عن راوي الصحيح، عرفنا أن راوي الصحيح في الدرجة العليا من الضبط، وراوي الحسن أقل منه، فإذا جاء من يعضده ممن هو على مستواه نعم، في درجته في الحفظ الذي هو أقل من حفظ راوي الصحيح يجبر بعضهم بعضاً، وينجبر هذا بذاك، ومن ثم تطرق الصحة على الإسناد الذي يكون حسناً لذاته لو تفرد إذا تعدد، يعني إذا تعدد يكون الحديث صحيحاً، وإن لم يكن صحيحاً لذاته بل هو صحيح لغيره، ومثلوا له بحديث محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)) رواه الترمذي، وقال: صحيح لأنه قد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولذا يقول الحافظ العراقي:

والحسن المشهور بالعدالة***والصدق راويه إذا أتى له
طرق أخرى نحوها من الطرق***صححته كمتن (لولا أن أشق)
إذ تابعوا محمد بن عمرِو***عليه فارتقى الصحيح يجري

ارتقى إلى درجة الصحيح لأن محمد بن عمرو بن علقمة توبع وهو في حفظه شيء، عدل لكن في حفظه شيء ينزل حديثه من درجة الصحيح إلى درجة الحسن.
"فإن جمعا فللتردد في الناقل حيث التفرد وإلا فباعتبار إسنادين" إن جمع الحكم بالصحة والحسن على حديث واحد، يعني إذا قيل: هذا حديث حسن صحيح، هل يمكن أن يقال: هذا حديث حسن صحيح؟ نعم؟ نعم، قال الترمذي كثيراً: "هذا حديث حسن صحيح"، هذا فيه إشكال وإلا ما فيه إشكال؟ ما في إشكال؟ استشكل الجمع بين الصحة والحسن، لا شك أنه مشكل، لماذا مشكل؟ لأنك إذا قلت: هذا حديث حسن حكمت عليه بالدرجة الدنيا، وإذا قلت: صحيح حكمت عليه بأنه بالدرجة العليا، فكونك تجمع بين حكمين مختلفين على شيء واحد هذا لا شك أنه مشكل، يعني لما تنجح في الاختبار ما يقال لك: إيش تقديرك؟ تقول: جيد جداً ممتاز، صحيح وإلا لا؟ تقديرك جيد جداً ممتاز، جيد جداً يعني حسن، ممتاز يعني صحيح، فيه إشكال وإلا ما فيه إشكال؟ فيه إشكال؛ لأنك إذا حكمت عليه بالصحة حكمت بأنه بلغ الدرجة العليا، وإذا قلت: حسن أنزلته عن هذه الدرجة، لا شك أنه مشكل، والإشكال مع اتحاد الجهة، لكن إذا انفكت الجهة انتهى الإشكال، إيش معنى هذا الكلام؟ خلونا في مثالنا العادي إذا قيل: ما تقديرك؟ تقول: جيد جداً ممتاز، إيش جيد جداً ممتاز؟ تقول له: التقدير العام جيد جداً وفي التخصص ممتاز، نقول: كلامك صحيح، مثله إذا قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح" إن كان مروي من طرق فهو من طريق صحيح ومن طريق حسن، هذا ما فيه إشكال، ولذا يقول الحافظ: "فإن جمعا فللتردد في الناقل حيث التفرد، وإلا فباعتبار إسنادين"، فباعتبار إسنادين واحد صحيح وواحد حسن، طيب، إذا قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب"، هل نقول: إنه صحيح من طريق حسن من طريق آخر وهو ما له إلا طريق واحد؟ يأتي الاحتمال الأول للتردد في الناقل، يعني الذي حكم على الحديث متردد ما جزم، شاك في الراوي هل يبلغ درجة الصحيح في الضبط والحفظ والإتقان أو ينزل عنها فيكون مما خف ضبطه متردد في الخبر، متردد في حكمه على الحديث تبعاً لتردده في الحكم على ناقله.
على الاحتمال الأول أنه حسن باعتبار طريق صحيح باعتبار طريق آخر هل هو أقوى أو إذا قيل: صحيح فقط؟ أيهما أقوى؟ إذا قيل: حسن صحيح والحديث مروي من طرق بعضها صحيح وبعضها حسن هل هو أفضل وإلا إذا جزمنا وقلنا: حديث صحيح؟ إذا ترددنا، إذا قلنا: حسن صحيح؛ لأنه صحيح من طرق، وحسن من طرق أخرى، يعني هل يضيره أن يكون حسن بعد كونه صحيح؟ أما إذا كان الجمع بين الحكمين التردد هل بلغ أو ما بلغ؟ لا شك أن الصحيح المجزوم به أقوى من المتردد فيه، فإذا جمع وصف الصحة مع وصف الحسن في حديث واحد كقول الترمذي كثيراً هذا حديث حسن صحيح فلا يخلو من حالين:
أن يروى الحديث بإسناد واحد فإطلاق الوصفين ناشئ عن التردد الحاصل من المجتهد في راويه الناقل له، هل اجتمعت فيه شروط الصحة أو قصر عنها؟ وعلى هذا فما قيل فيه: حسن صحيح دون ما قيل فيه: صحيح فقط؛ لأن الجزم أقوى من التردد.
الثانية: أن يروى بأكثر من إسناد فإطلاق الوصفين معاً على الحديث يكون باعتبار إسنادين أحدهما صحيح والآخر حسن، وعلى هذا فما قيل فيه: حسن صحيح فوق ما قيل فيه: صحيح فقط.
هناك أجوبة أخرى عن هذا الإشكال وصل ثلاثة عشر جواباً، هناك جواب ثالث: أن المراد بالحسن الحسن اللغوي دون الاصطلاحي، فيراد بقوله: حسن أن لفظه حسن، لكونه مما فيه بشرى للمكلف وتسهيل عليه وتيسير له وغير ذلك مما تميل إليه النفس ولا يأباه القلب، قال ابن الصلاح: "إنه غير مستنكر –يعني هذا الجواب-، وهناك أجوبة أخرى لا نطيل بذكرها، نعم.
زيادة الثقة:
أحسن الله إليك:
"وزيادة راويهما مقبولة ما لم تقع منافية لمن هو أوثق".

نعم زيادة راويهما راوي الصحيح وراوي الحسن مقبولة إذا جاءتنا زيادة من طريق راوٍ ثقة جمع من الثقات يروون حديثاً ثم زاد عليهم واحد منهم جملة مثل في دعاء الفراغ من الوضوء: ((أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين)) هذه زيادة، وزيادة: ((إنك لا تخلف الميعاد)) هذه زيادة وراويها ثقة، هل نقبل هذه الزيادة لكون من زادها معه زيادة علم خفيت على من نقص أو نقول: لو كانت محفوظة لجاء بها الرواة كلهم، ولم يقتصر عليها واحد؟ وهذه الزيادة مشكوك فيها؟
على كل حال المسألة مختلف فيها منهم من يقبل زيادات الثقات مطلقاً ما لم تكن منافية، ومنهم من يرد زيادات الثقات مطلقاً؛ لأنها مشكوك فيها، وحجة الأول: أن مع من زاد زيادة علم على من نقص، وحجة الثاني: أن هذه الزيادة مشكوك فيها، والخبر بعدمها متيقن.
منهم من يقول: الحكم للأحفظ، ننظر إلى أحفظ هؤلاء الرواة فنحكم له، إن كان الأحفظ هو الذي زاد قبلنا الزيادة، وإن كان الأحفظ الثاني رددنا هذه الزيادة، ومنهم من يقول: الحكم للأكثر، منهم من يقول: الحكم للأكثر، فإن كان من زاد أكثر ممن نقص حكمنا بالزيادة وإلا فلا.

واقبل زيادات الثقات منهم***ومن سـواهم فعليه المعظـم

وقيل: لا....
المقصود أن هذه المسألة مما اختلف فيها أهل العلم، وهذه على طريقة..، ......... سياق مثل هذا الخلاف إنما يمشي على طريقة المتأخرين القائلين بالأحكام المطردة، أما على طريقة الأئمة فلا، الأئمة الكبار لا يحكمون بالقبول مطلقاً ولا بالرد مطلقاً، فقد يقبلون وقد يردون، تبعاً لما ترجحه القرائن، تبعاً لما ترجحه القرائن.
يقول الحافظ -رحمه الله تعالى-: "وزيادة راويهما مقبولة ما لم تقع منافية لمن هو أوثق منه".
يريد أن زيادة راوي الحديث الصحيح وهو الثقة وهو الحديث الحسن ممن قصرت رتبته عن راوي الحديث الصحيح قليلاً بحيث لا يصل إلى درجة من ترد روايته مقبولة لدى الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث فيما حكاه الخطيب البغدادي سواء كان ذلك من شخص واحد، يعني شخص واحد روى الحديث مرة ناقص ورواه مرة تاماً، فعلى هذا تقبل هذه الزيادة، بأن رواه مرة ناقصاً ورواه مرة أخرى وفيه تلك الزيادة أو كانت الزيادة من غير من رواه ناقصاً خلافاً لمن رد ذلك مطلقاً من أهل الحديث، وخلافاً لمن رد الزيادة منه وقبلها من غيره، ابن الصلاح قسم ما ينفرد به الثقة إلى ثلاثة أقسام:
أحد هذه الأقسام: أن يقع مخالفاً منافياً لما رواه سائر الثقات فهذا حكمه الرد بلا إشكال، وهذا هو الشاذ الذي سيأتي الحديث عنه.
الثاني: ألا يكون فيه منافاة ومخالفة أصلاً لما رواه غيره كالحديث الذي تفرد برواية جملته ثقة ولا تعرض فيه لما رواه الغير بمخالفة أصلاً، فهذا مقبول وادعى الخطيب اتفاق العلماء عليه.
الثالث: ما يقع بين هاتين المرتبتين مثل زيادة لفظة في حديث لم يذكرها سائر من روى ذلك الحديث، ومن أمثلة ذلك: ((جعلت لنا الأرض مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً)) هذه الزيادة تفرد بها أبو مالك الأشجعي، وسائر الرواة على أن لفظ الحديث: ((وجعلت لنا الأرض مسجداً وطهوراً)) الآن أصل الحديث في حديث الخصائص: ((وجعلت لنا الأرض مسجداً وطهوراً)) في حديث أبي مالك الأشجعي: ((وجعلت تربتها لنا طهوراً)) ها؟ هذه زيادة، وهذه الزيادة فيها موافقة من وجه ومخالفة من وجه، كيف؟ فيها موافقة لأن التربة جزء من الأرض، وفيها مخالفة من جهة تخصيص التيمم بهذا الجزء من الأرض، ولذا يختلف أهل العلم في التيمم بكل ما على وجه الأرض وتصعد على وجهها، أصل الحديث يدل على أن الأرض طهور بجميع ما تصاعد عليها، رواية أبي مالك الأشجعي تجعل التيمم خاص بالتراب، وبهذا يقول الحنابلة والشافعية، وغيرهم يقولون: لا، يتيمم بكل ما على وجه الأرض ولو لم يكن تراب له غبار يعلق باليد، فهذه فيها وجه موافقة باعتبار أن التراب جزء من الأرض ووجه مخالفة باعتبار أن هذا الجزء يختص به التيمم، وقد قيل به، هذا يشبه الأول من وجه، ويشبه الثاني من وجه، فيشبه القسم الأول من حيث إن ما رواه الجماعة عام، وما رواه المنفرد بالزيادة مخصوص، وفي ذلك مغايرة في الصفة ونوع من المخالفة يختلف بها الحكم، ويشبه أيضاً القسم الثاني من حيث أنه لا منافاة بينهما.
نعود إلى حديث التربة، إذا قبلنا هذه الزيادة هل يتجه قول من يقول: إنه لا يتمم إلا بتراب؟ إذا قبلنا هذه الزيادة وصححناها أو لا يتجه ونتيمم بجميع ما على وجه الأرض عملاً بالحديث الأصلي؟ أو نتيمم بالتراب عملاً بهذه الزيادة؟ وعرفنا اختلاف أهل العلم وسببه ورود هذه الزيادة؟ ها؟ إحنا الآن قبلنا هذه الزيادة وانتهينا، قبلنا هذه الزيادة وانتهينا، هل قبول هذه الزيادة يجعل القول بتخصيص التراب وجيه؟ هل نقول: إن هذا خاص والخاص مقدم على العام؟ ما في شيء اسمه تخصيص العام؟ يعني إذا جاء عام وخاص هل يخصص العام بالخاص مطلقاً أو لا؟ نعم.
طالب:.......
بينهما عموم وخصوص والخاص مقدم على العام، أو أسأل سؤال ثاني؟ ذكر بعض أفراد العام بحكم موافق لحكم العام لا يقتضي تخصيص، لكن لو كان حكم الخاص مخالف لحكم العام قلنا: الخاص مقدم على العام، نعم، يعني هل هناك فرق بينما إذا قلنا: أعطِ الطلاب؟ هذه عموم، وقلنا: أعط زيداً، أعط الطلاب ثم قلنا: أعط زيداً، هذا ما يقتضي التخصيص؛ لأن ذكر الخاص حكمه موافق لحكم العام، لكن لو قلنا: أعط الطلاب ثم قلنا: لا تعطِ زيداً، نقول: لا، زيد داخل في العام وكونه ذكر على وجه الخصوص ما يضر؟ إلا يضر؛ لأن حكمه مخالف لحكم العام، فذكر بعض أفراد العام بحكم موافق لحكم العام لا يقتضي التخصيص، وإنما يقتضي العناية بشأن الخاص، ولا يقتضي التخصيص وقصر الحكم عليه، لكن إذا اختلف الحكم يقتضي التخصيص، نعود إلى هذه المسألة: هل هذه المسألة من باب العموم والخصوص أو من باب الإطلاق والتقييد؟ وما الفرق بين التقييد والتخصيص؟ ها؟
على شان نشوف الإخوان الذين يقولون: دخّلوا أصول الفقه علوم الحديث ويرونه ذم وعيب، هل هذا مما يذم به إدخال العلوم بعضها في بعض؟ نعم، يمكن يذم؟ هذا أمر مطلوب، كيف نتعامل مع النصوص إلا بهذه الطريقة؟ أقول: هل هذا من باب التخصيص أو من باب التقييد؟ يعني التخصيص تقليل أفراد العام، تقليل أفراد العام، والتقييد تقليل أوصاف المطلق، يمكن مسألتنا تبي تأخذ علينا الوقت كله، لكن إحنا ودنا نمشي، ما زلنا متأخرين في الكتاب، التخصيص تقليل أفراد العام والتقييد تقليل أوصاف المطلق، فهل التراب فرد من أفراد الأرض أو وصف من أوصافها؟ لو المسألة من باب العموم والخصوص ما قال الشافعية والحنابلة بأنه لا يجزئ التيمم إلا بالتراب؛ لأن هذا تنصيص على بعض أفراد العام وينتهي الإشكال، لولا أنهم عندهم من باب الإطلاق والتقييد، وأن الأرض مطلقة قيدت بالتراب، وحينئذ يحمل المطلق على المقيد في مثل هذه الصورة، لماذا؟ يعني هل كل مطلق يحمل على المقيد؟ هاه؟ متى يحمل المطلق على المقيد؟
طالب:......
لا ما هو مثل العام خالف أو ما خالف يُحمل لكن متى؟ المطلق مع المقيد يشمله أربع صور: إذا اتحد الحكم والسبب يحمل المطلق على المقيد اتفاقاً، إذا اتحد الحكم والسبب فيحمل المطلق على المقيد اتفاقاً، ومثاله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ}
[(3) سورة المائدة] هذا مطلق يقيد بالآية الأخرى: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا} [(145) سورة الأنعام] مقتضى قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ} [(3) سورة المائدة] أن كل دم حرام، قيد في الآية الأخرى بكونه مسفوحاً، ويحمل المطلق على المقيد اتفاقاً هنا للاتحاد في الحكم والسبب.
إذا اتحد الحكم واختلف السبب، اتحد الحكم واختلف السبب، الرقبة في كفارة الظهار قيدت بكونها مؤمنة، وفي كفارة القتل مطلقة، يحمل المطلق على المقيد وإلا لا؟ اتحد الحكم وهو وجوب العتق، واختلف السبب، هذا ظهار وهذا قتل، اختلف السبب، يحمل المطلق على المقيد وإلا لا؟ عند الجمهور يحمل خلافاً للحنفية.
العكس إذا اتحد السبب واختلف الحكم، اليد في آية الوضوء مقيدة بالمرافق، وفي آية التيمم مطلقة، اتحد السبب، السبب هو الحدث، واختلف الحكم هذا غسل وهذا مسح، يحمل المطلق على المقيد وإلا لا؟ تمسح في التيمم إلى المرافق وإلا لا؟ هنا لا يحمل المطلق على المقيد عند الأكثر خلافاً للشافعية.
الصورة الرابعة وهي الأخيرة إذا اختلفا في الحكم والسبب، اليد جاءت مقيدة في آية الوضوء، ومطلقة في آية السرقة، الحكم والسبب مختلفان، وحينئذ لا يحمل المطلق على المقيد اتفاقاً، ما في أحد يقول بالقطع مع المرافق استدلالاً بآية الوضوء أبداً، فإذا قلنا: إن هذا النص ((وجعلت تربتها)) من باب الإطلاق والتقييد قلنا: بأنه يحمل المطلق (الأرض) على المقيد وهو (التربة)، وهذه حجة من يقول بأنه لا يجزئ التيمم إلا بالتراب، وإلا ما يخفى على الحنابلة والشافعية أنه لو كان من باب العموم والخصوص أن هذا تنصيص على بعض أفراد العام بحكم موافق ولا يقتضي التخصيص، هذا ما يخفى عليهم.
المقصود أن مثل هذه الأمور ينبغي التنبه لها والعناية بها؛ لأن بمثل هذه الطريقة يتعامل مع النصوص، أما أن نعيب من أدخل أصول الفقه في علوم الحديث كما فعل بعض الإخوان يعني من حسن قصد نحسبهم والله حسيبهم لكن ينبغي أن ننظر إلى الأمور بعين البصيرة، والله المتسعان.
من هذه المسألة أو يدخل في زيادة الثقة تعارض الوصل مع الإرسال، والوقف مع الرفع، فمن قبل الوصل والرفع ألحقه بزيادة الثقة، ومن رجح الإرسال والوقف قال: إنه المتيقن وما عداه مشكوك فيه.
والحق في ذلك كله أنه لا يحكم بحكم عام مطرد لا في الزيادة ولا في الوصل ولا الرفع، بل يترك الحكم في كل مسألة على حدة، حسب ما ترجحه القرائن كما هو الظاهر من صنيع الأئمة الحفاظ الكبار الجهابذة النقاد فقد يقبلون الزيادة وقد يردونها، وقد يحكمون بالرفع وقد يحكمون بالوقف، ويحكمون تارة للوصل وتارة للإرسال تبعاً للقرائن، نعم.
الشاذ:
"فإن خولف بأرجح فالراجح المحفوظ، ومقابله الشاذ".
يقول الحافظ -رحمه الله تعالى-: "فإن خولف" الصحيح، والحسن من باب أولى، إن خولف بما هو أرجح منه عندنا صحيح وعندنا أصح، لكن لا يمكن العمل بهما معاً، عندنا صحيح خبر صحيح مستجمع للشروط وخبر أصح منه، فإن خولف بأرجح فالراجح هو المحفوظ ويقابله الشاذ، إذا حصلت المخالفة بين روايات الثقات، فلا بد حينئذ من الترجيح إما بمزيد الضبط أو كثرة العدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات، والراجح حينئذ يقال له: المحفوظ، ومقابله وهو المرجوح يقال له: الشاذ، فالمحفوظ: اسم مفعول من الحفظ، يقال: حفظ المتاع يحفظه حفظاً فهو حافظ، والمتاع محفوظ، وفي الاصطلاح: ما رواه الثقة مخالفاً لمن هو دونه في القبول، ما رواه الثقة مخالفاً لمن هو دونه هذا المحفوظ، ومثاله: ما رواه الترمذي وأبو داود من حديث عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع عن يمينه)) عبد الواحد بن زياد ثقة خالف غيره من أصحاب الأعمش فرواه من قوله -عليه الصلاة والسلام-، والمحفوظ من فعله، فرواية عبد الواحد بن زياد شاذة، وراويها ثقة، رواية غيره من أصحاب الأعمش وهو أن النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يضطجع، وليس فيه الأمر: "فليضطجع" رواية الأمر شاذة، ورواية الفعل محفوظة، ولذا نقل ابن القيم في الهدي عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قال: "الصحيح عنه -صلى الله عليه وسلم- الفعل لا الأمر به، والأمر به تفرد به عبد الواحد بن زياد وغلط فيه".
والشاذ لغة: المنفرد عن الجمهور، يقال: شذ يشذ ويشذ بضم الشين المعجمة وكسرها شذوذاً إذا انفرد، واصطلاحاً اختلف في تعريفه على أقوال:
عرفه الإمام الشافعي بما يفيده كلام الحافظ السابق بقوله: "إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثاً يخالف ما روى الناس"، أن يروي الثقة حديثاً يخالف ما روى الناس، وعرفه أبو يعلى الخليلي بقوله: "الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذ بذلك شيخ ثقة كان أو غير ثقة"، ما ليس له إلا إسناد واحد، فأطلق الشذوذ وأراد به التفرد سواء كان المتفرد ثقة أو غير ثقة، عنده فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به يعني حتى يوجد ما يشهد له.
والحاكم أبو عبد الله ذكر أن الشاذ: "هو الحديث الذي ينفرد به ثقة من الثقات وليس له أصل متابع لذلك الثقة، فأطلقه على مجرد التفرد، قال ابن الصلاح في علوم الحديث: أما ما حكم الشافعي عليه بالشذوذ فلا إشكال في أنه شاذ غير مقبول، وأما ما ذكره غيره فيشكل فيما يتفرد به العدل الضابط كحديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) فعلى هذا إدخال قول الشافعي في الشاذ دخولاً أولياً، وهو التفرد مع المخالفة.
أما تفرد الراوي ثقة كان أو غير ثقة، وإدخاله في الشذوذ كما يقوله أبو يعلى الخليلي أو تفرد الثقة فهو مشكل يرد عليه الغرائب التي في الصحيحين، يعني حديث الأعمال بالنيات تفرد به صاحبه هل نقول: إنه شاذ؟ اللهم إلا على قول من يقول: إن من الشاذ ما هو شاذ صحيح، الحافظ العراقي يقول:

وذو الشذوذ ما يخالف الثقة*** فيه الملا فالشافعي حققه
والحاكم الخلاف فيه ما اشترط***وللخليلي مفرد الراوي فقط
ورد ما قالا بفرد الثقة***كالنهي عن بيع الولا والهبة
وقول مسلم روى الزهري ***تسعين فرداً كلها قوي

يعني مجرد التفرد -تفرد الثقة- لا يعني الشذوذ المردود، ومثاله ما تقدم قريباً حديث: ((إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع عن يمينه)) قلنا: هذا شاذ، وحكمه الرد، الرد لأنه من أقسام الضعيف لوجود المخالفة، كون الراوي وإن كان ثقة يخالف من هو أوثق منه يدل على أن هذا الراوي الثقة لم يحفظ ولم يضبط ما خالف فيه غيره.
المنكر:
قال -رحمه الله تعالى-: "ومع الضعف فالراجح المعروف ويقابله -أو ومقابله- المنكر" فالمعروف في اللغة: اسم مفعول من المعرفة والعرفان، قال في القاموس: عرفه يعرفه معرفة وعرفاناً وعِرفةً بالكسر.
وفي المفردات للراغب المعرفة والعرفان إدراك الشيء بتفكر وتدبر لأثره، وهو أخص من العلم ويضاده الإنكار، والمعروف اسم لكل فعل يعرف بالعقل أو الشرع حسنه يقابله المنكر وهو ما ينكر بهما.
وأما في الاصطلاح فقد ذكر الحافظ أنه مقابل المنكر، فإذا كان المعتمد عند أهل العمل أن المنكر ما رواه الضعيف مخالفاً فيه الثقات -على ما سيأتي- فإن تعريف المعروف: حديث الثقة الذي خالف أو خالفه الراوي الضعيف، وعلى هذا كثير من المحدثين بل هو الذي استقر عليه الاصطلاح عند المتأخرين في تعريف المنكر.
يقول السيوطي في ألفيته:

المنكر الذي روى غير الثقة ***مخالفاً في نخبة قد حققه

قال ابن الصلاح: "بلغنا عن أبي بكر البرديجي أنه -يعني المنكر- الحديث الذي ينفرد به الرجل، ولا يعرف متنه من غير روايته لا من الوجه الذي رواه منه، ولا من وجه آخر"، الحديث الذي ينفرد به الرجل، ولا يعرف متنه من غير روايته لا من الوجه الذي رواه منه ولا من وجه آخر، فأطلق البرديجي ذلك ولم يفصل،
فأطلق النكارة على مجرد التفرد.
يقول ابن الصلاح: "وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ موجود في كلام كثير من أهل الحديث، فيتفرد الراوي ثقة كان أو غير ثقة فأحياناً يقبل أهل العلم تفرده، وأحياناً تدل القرائن على أنه لم يحفظ ما تفرد به فيكون شاذاً وإن كان ثقة ولو لم توجد مخالفة، وأحياناً تدل القرائن على أن هذا الثقة الذي تفرد بهذا الخبر تدل القرائن على أن ما تفرد به غير معروف عند أهل العلم فيحكمون عليه بالنكارة.
يقول ابن الصلاح: "وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ موجود في كلام كثير من أهل الحديث، وهذه المسألة فرع من المسألة الكبرى، وهي أن المتأخرين يحكمون بقواعد مطردة عامة، وأما المتقدمون فلا قواعد عندهم مطردة، بل يتركون الحكم والترجيح للقرائن، يقول الحافظ العراقي:

المنكر الفرد كذا البرديجي***أطلق والصواب في التخريج
إجراء تفصيل لدى الشذوذ مر***فهو بمعناه كذا الشيخ ذكر

إجراء تفصيل لدى الشذوذ مر ** فهو بمعناه كذا الشيخ ذكر.

 الشيخ يعني ابن الصلاح، فالمنكر والشاذ مترادفان عند جمع من أهل العم، ولذا يقول:
والصواب في التخريجِ

إجراء تفصيل لدى الشذوذ مر***فهو بمعناه كذا الشيخ ذكر

ثم ذكر مثالاً له -رحمه الله-:

نحو ((كلوا البلح بالتمر)) الخبر*** ومالك سمى ابن عثمان عمر

مثل له الحافظ -رحمه الله تعالى- بما رواه ابن أبي حاتم من طريق حبيب بن حبيب، وهو أخو حمزة بن حبيب الزيات المقرئ عن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من أقام الصلاة، وأتى الزكاة، وحج البيت، وصام وقرى الضيف دخل الجنة)) رواه الطبراني وابن عدي وغيرهما، قال أبو حاتم: "هذا منكر؛ لأن غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفاً" يعني على ابن عباس، فالموقوف هو المعروف عند أهل العلم، والمرفوع إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- هذا منكر، هذا ما قرره أبو حاتم الرازي وهو من أئمة هذا الشأن، والتمثيل بما ذكره الحافظ العراقي إنما هو على مذهب ابن الصلاح مع عدم الفرق بين الشاذ والمنكر ((كلوا البلح بالتمر فإن ابن آدم إذا أكل التمر القديم بالجديد البلح بالتمر غضب الشيطان، وقال: عاش ابن آدم حتى جمع بين الجديد والخلق)) ولا شك أن هذا المتن منكر، هذا المتن منكر، لماذا؟ لأن الشيطان لا يغضب من طول عمر ابن آدم من مجرد طول عمره وأنه عاش هذه المدة لا يغضبه ذلك، بل قد يفرح بطول عمر بعض الناس إذا كان ممن ساء عمله، إنما يغضب الشيطان إذا طال عمر ابن آدم واستعمل هذا العمر الطويل في طاعة الله -عز وجل-، المقصود أن لفظ الحديث منكر.

...................................***ومالك سمى ابن عثمان عمر

مالك قال عن الراوي اسمه: عمر بن عثمان، والرواة كلهم من غير خلاف بينهم يسمونه عمرو بن عثمان، فخالفهم مالك وسماه عمر، فإن شئت فقل: هذا شذوذ من مالك، وإن قلت: هذا منكر؛ لأن الشاذ والمنكر متقاربان جداً عند ابن الصلاح ومن يقول بقوله، والحافظ يفرق بين الشاذ والمنكر بأن الشاذ مخالفة الثقة، والمنكر مخالفة الضعيف.
الفرد:
قال الحافظ -رحمه الله تعالى-: "والفرد النسبي: إن وافقه غيره فهو المتابع، وإن وجد متن يشبهه فهو الشاهد، وتتبع الطرق لذلك هو الاعتبار".
نعم عندنا ثلاثة ألفاظ هي: الاعتبار والمتابعات والشواهد، الاعتبار والمتابعات والشواهد وهم في كتب المصطلح يترجمون بهذا، الاعتبار والمتابعات والشواهد، وإن كانت هذه الترجمة توهم أن الاعتبار قسيم للمتابعات والشواهد، وليس الأمر كذلك، بل المتابعات والشواهد شيء على ما سيأتي في التفريق بينهما، والاعتبار هيئة التوصل إلى وجود المتابعات والشواهد، هيئة التوصل إلى وجود المتابعات والشواهد، فصواب الترجمة أن يقال: الاعتبار للمتابعات والشواهد.
المتابع والشاهد:
يقول الحافظ -رحمه الله تعالى-: "والفرد النسبي إن وافقه غيره فهو المتابع، وإن وجد متن يشبهه فهو الشاهد، وتتبع الطرق لذلك هو الاعتبار"، يعني أن الفرد النسبي هو ما كان التفرد فيه في أثناء السند لا في أصله، إن وجد -بعد ظنه فرداً- أنت بحثت عن هذا الحديث ما وجدت له ما يشهد له ولا ما يتابعه، ثم بعد ذلك وجدت بعد ظنك كونه فرداً ما يوافقه من طريق غير راويه المتفرد به عن الصحابي نفسه فهو المتابع.
المتابع إذا اتحد الصحابي حديث يروى عن أبي هريرة فإذا رواه الأعرج عن أبي هريرة وقلت: إن هذا هو الأصل، ثم وجدت متابعة من سعيد بن المسيب عن أبي هريرة فهذه المتابعة للأعرج، متابعة، تابع سعيد بن المسيب الأعرج وهكذا، إذا كانت في الراوي -المتابعة في الراوي- عن الصحابي أو متابعة للراوي في الراوي عنه إلى آخره، وإن وجد متن يروى من حديث صحابي آخر يشهد له في اللفظ والمعنى أو المعنى فقط فهو الشاهد، إذاً الفرق بين المتابعات والشواهد: إن اتحد الصحابي فمتابعة، وإن اختلف الصحابي فهو الشاهد، من غير نظر إلى اللفظ، سواء اتحد اللفظ أو اختلف، إنما ينظر إلى الصحابي، إن اتحد فمتابع وإن اختلف فشاهد، فالمتابع بكسر الموحدة اسم فاعل من المتابعة بمعنى الموافقة.
وفي الاصطلاح: هو الحديث الذي يشارك فيه رواته رواة الحديث الفرد لفظاً ومعنى أو معنى فقط مع الاتحاد في الصحابي.
والشاهد: اسم فاعل من الشهادة، وفي الاصطلاح: هو الحديث الذي يشارك فيه رواته رواة الحديث لفظاً ومعنى أو معنى فقط مع الاختلاف في الصحابي، وهذا ما جرى عليه الحافظ -رحمه الله تعالى- من أن العبرة بالمتابعات اتحاد الصحابي، وفي الشواهد اختلاف الصحابي، وأما ما جرى عليه ابن الصلاح فالعبرة باللفظ والمعنى بغض النظر عن الصحابي مخرج الحديث، فإن اتحد اللفظ فالمتابع، وإن اختلف اللفظ مع اتحاد المعنى فالشاهد ولو اتحد الصحابي، يعني من غير نظر إلى الصحابي.
إذا عرفنا هذا وأن المتابعات تتابع الرواة للحديث عن صحابي واحد فالمتابعات على مراتب؛ لأنها إن حصلت للراوي نفسه فهي التامة، وإن حصلت لشيخه فمن فوقه فهي القاصرة، يعني حديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) ((إنما الأعمال بالنيات)) يرويه البخاري يقول -رحمه الله تعالى-: "حدثنا الحميدي، قال: حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن علقمة بن وقاص قال: سمعت عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يخطب على المنبر يقول: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إنما الأعمال بالنيات))، هذا السند كامل، إذا وجد من يتابع الحميدي في الرواية عن سفيان فالمتابعة تامة، إذا وجد من يتابع سفيان في الرواية عن يحيى بن سعيد فهي قاصرة، لكنه قصور نسبي أقل من قصور متابعة يحيى بن سعيد في الرواية عن محمد وهكذا، كلما قربت المتابعة إلى الصحابي صارت أقصر، وكلما قربت من المؤلف تكون أتم، فالتمام والقصور نسبي، فالمتابعة في الرواية عن الصحابي متابعة التابعي في الرواية عن الصحابي قاصرة، متابعة تابع التابعي الذي يروي عن التابعي قاصرة لكنها أتم من الأولى إلى أن تصل إلى متابعة الشيخ. الفائدة من المتابعات والشواهد هي التقوية، هي التقوية لنعرف أن الحديث جاء من طريق آخر، مثلوا للمتابع بحديث: ((الشهر تسع وعشرون)) رواه الإمام الشافعي في الأم عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، تابع الشافعي في روايته عن مالك القعنبي أخرجه البخاري فهذه متابعة تامة، الشافعي عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، الشافعي..، تابع الشافعي في روايته عن مالك القعنبي عبد الله بن مسلمة القعنبي، وهو من خواص مالك -رحمه الله-، وهذه متابعة تامة موجودة في البخاري، في صحيح مسلم متابعة قاصرة من وراية عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، ومثال الشاهد: ما رواه النسائي في الحديث السابق من حديث ابن عباس اختلف الصحابي الأول عن ابن عمر والثاني عن ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكر مثل حديث ابن عمر سواء.
وما رواه البخاري من حديث أبي هريرة بمعنى حديث ابن عمر وهذا أيضاً شاهد، وعلى اصطلاح ابن الصلاح ابن عباس يروي حديث ابن عمر بلفظه، يروي حديث ابن عمر بلفظه، على اصطلاح ابن حجر شاهد؛ لأنه اختلف الصحابي، على اصطلاح ابن الصلاح اتحد اللفظ فهو متابع، فهو متابع.
ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة بمعنى حديث ابن عمر هو شاهد على القولين، هو شاهد على القولين، لماذا صار شاهد على القولين؟ لأنه اختلف الصحابي فهو شاهد عند ابن حجر، اختلف اللفظ فهو شاهد عند ابن الصلاح.
يقول الحافظ -رحمه الله تعالى-: "وتتبع الطرق لذلك هو الاعتبار" هو الاعتبار، يعني أن الاعتبار ليس قسيماً للمتابعات والشواهد كما توهمه عبارة ابن الصلاح، بل هو هيئة التوصل إليهما، من خلال البحث في دواوين السنة كالصحاح والسنن والجوامع والمعاجم والمسانيد وغيرها، فبحثك عن المتابعات والشواهد ووقوفك عليها هو الاعتبار، يقول الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:

الاعتبار سبرك الحديث هل*** شارك راوٍ غيره فيما حمل
عن شيخه؟ فإن يكن شورك من***معتبر به فتابع وإن
شورك شيخه ففوق فكذا***وقد يسمى شاهداً ثم إذا
متن بمعناه أتى فهو الشاهدُ***وما خلا عن كل ذا مفاردُ

يعني الحديث الفرد المطلق الفرد الذي لم يتابع صاحبه عليه هو ما يسمى بالأفراد عند أهل العلم التي لا يوجد لها شواهد ولا متابعات، نعم.
طالب: المتابعات والشواهد.......
على كل حال الضابط ما ذكرنا، إن كان اللفظ مروي من طريق صحابي آخر فهو الشاهد، وإن كان عن الصحابي نفسه فهو المتابع، وطريق معرفة المتابِع من المتابَع قد تقول: لماذا تقول أنت: هذا يتابع الحميدي في الرواية عن سفيان؟ لماذا لا يكون الحميدي هو الذي يتابع محمد بن بشار في الرواية عن سفيان؟ العبرة بالإسناد الذي بين يديك هو الأصل، أنت تدرس إسناد هو الأصل بالنسبة لك، إذا وقفت على ما يقوي هذا الإسناد فهو المتابع وهو الشاهد، فيكون أول رواته متابع لأول رواة عندك وهكذا.
طالب:.......
لا، مثل هذا يقال: هذه الجملة يشهد لها ما في حديث فلان، أو يقال: أصله في كذا، يعني إذا كان حديث مفصل في سنن أبي داود يشتمل على أحكام، وفي البخاري جزء يسير منه نعم، نقول: أصله في الصحيح، أصله في الصحيح، أو يشهد لهذه الجملة منه ما في الصحيح، لا بد من التقييد، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سم.
مختلف الحديث:
"ثم المقبول: إن سلم من المعارضة فهو المحكم، وإن عورض بمثله فإن أمكن الجمع فمختلف الحديث، أو لا، وثبت المتأخر فهو الناسخ، والآخر المنسوخ، وإلا فالترجيح، ثم التوقف".
يقول -رحمه الله تعالى-: "ثم المقبول إن سلم من المعارضة فهو المحكم"، وهذا تقسيم ثان للمقبول هو تقسيمه إلى معمول به وغير معمول به، قد يكون الحديث صحيح وقد يكون حسناً يعني في حيز القبول لكنه لا يعمل به، لماذا؟ لمعارض راجح، هذا تقسيم ثانٍ للمقبول وهو أن المقبول منه ما يعمل به ومنه ما لا يعمل به؛ لأنه إن سلم الحديث المقبول من المعارضة فلم يأتي خبر يضاده فهو المحكم، فالمحكم لغة مأخوذ من الإحكام وهو الإتقان، فالمحكم المتقن وإحكام الكلام إتقانه.
وفي الاصطلاح: هو الحديث المقبول السالم من المعارضة، الحديث المقبول السالم من المعارضة، وأمثلته كثيرة جداً، أكثر الأحاديث محكمة لا معارض لها، فأمثلته لا يمكن حصرها، وعلى سبيل المثال حديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) حديث محكم لأنه لم يرد في السنة ما يعارضه ويبطل العلم به.
يقول الحافظ -رحمه الله تعالى-: "وإن عورض بمثله -يعني بما يساويه في القوة- فإن أمكن الجمع فمختلف الحديث"، يعني الخبر المقبول إن عروض بخبر مثله مقبول صحيح أو حسن؛ لأن معارضة الضعيف لا عبرة بها، معارضة الخبر الضعيف لا عبرة بها، فإذا عورض الخبر المقبول بمثله في القبول صحيح أو حسن فإن أمكن الجمع بين الخبرين المتعارضين المقبولين فمختلف الحديث إن أمكن الجمع، وإن كان الحديث المعارض مردوداً فإنه حينئذ لا أثر له؛ لأن القوي لا تؤثر فيه مخالفة الضعيف وسبق في المنكر، فمختلف الحديث هو: أن يأتي حديث مضاد لحديث آخر في الظاهر ويمكن التوفيق بينهما.
يقول: "وإن عورض بمثله فإن أمكن الجمع فمختلف الحديث"، إذا تمكنا من التوفيق والجمع بين النصين هذا مختلف الحديث وهو من أهم أنواع علوم الحديث؛ لأن العلماء في الحديث والفقه والأصول وغيرهم مضطرون إلى معرفته، مضطرون إلى معرفة التوفيق بين النصوص، هذا أمر في غاية الأهمية، التوفيق بين النصوص والتأليف بينها هذا أمر في غاية الأهمية، يعني إذا جاءك حديثان متعارضان متضادان في الظاهر كيف تصنع؟ قلنا: إنه من أهم أنواع علوم الحديث؛ لأن العلماء في الحديث والفقه وغيرها مضطرون إلى معرفته، ولا يتقن مثل هذا النوع إلا العلماء الجامعون بين الفقه والحديث والأصول ممن أوتوا فهماً ثاقباً وقدرة على الغوص على المعاني الدقيقة، ومن هؤلاء الأئمة إمام الأئمة محمد بن إسحاق ابن خزيمة الذي قال عنه تلميذه ابن حبان: "ما رأيت على أديم الأرض من كان يحسن صناعة السنن، ويحفظ الصحاح بألفاظها، ويقوم برد كل لفظة تزاد في الخبر حتى كأن السنن كلها نصب عينيه إلا محمد بن إسحاق بن خزيمة" ابن حبان ماذا يقول عن ابن خزيمة؟ يقول: "ما رأيت على أديم الأرض من كان يحسن صناعة السنن، ويحفظ الصحاح بألفاظها، ويقوم برد كل لفظة تزاد في الخبر حتى كأن السنن كلها نصب عينيه إلا محمد بن إسحاق بن خزيمة"، يطلق عليه العلماء إمام الأئمة، حتى شيخ الإسلام يقول هذا، يقول ابن خزيمة: "لا أعرف عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حديثين صحيحين متضادين، فمن كان عنده فليأتني لأؤلف بينهما" من كان حديثين متعارضين يأتي بهما، من كان عنده أحاديث متضادة يأتي بها لأؤلف بينها، مثال ذلك: ((لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر)) الحديث متفق عليه معارض بحديث: ((لا يورد ممرض
على مصح))
أخرجه البخاري معلقاً، وحديث: ((فر من المجذوم فرارك من الأسد)) هذه أحاديث متضادة في الظاهر، حديث: ((لا عدوى ولا طيرة)) هذا ينفي العدوى، حديث: ((فر من المجذوم فرارك من الأسد)) قد يفهم منه أن مخالطة الصحيح للمريض تؤثر في السليم وهذه هي العدوى التي يثبتها الأطباء، ((فر من المجذوم فرارك من الأسد)) ((لا يورد ممرض على مصح)) لماذا لا يورد ممرض على مصح؟ إلا لوجود شيء من العدوى، والحديث الأول: ((لا عدوى ولا طيرة))، العلماء لهم مسالك في الجمع بين هذه الأحاديث من هذه المسالك: أن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها ولا تسري بذاتها، ((لا عدوى)) يعني أن المرض لا ينتقل من مريض إلى آخر بذاته بطبعه، لكن الله -سبحانه وتعالى- جعل مخالطة المريض للصحيح سبباً لأعدائه مرضه، سبب للانتقال، وقد يتخلف ذلك عن سببه كما في غيره من الأسباب، وهذا مسلك ابن الصلاح، ابن الصلاح يثبت العدوى وأن المخالطة سبب للانتقال، والعدوى المنفية في قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((لا عدوى)) إنما هي كون المرض يسري بنفسه ويتعدى بذاته، والمثبت في مثل قوله: ((فر من المجذوم)) ((ولا يورد ممرض على مصح)) أن المخالطة من قبل الصحيح للمريض تكون سبب لانتقال المرض والمسبب هو الله -سبحانه وتعالى-، وقد يوجد المسبب عند حصول السبب وقد لا يوجد؛ لأن الناس من الأصحاء يخالطون المرضى فمنهم من يمرض ومنهم من لا يمرض؛ لأن هذا سبب، كمن لا يتقي البرد في الشتاء مثلاً يخرج بثياب رقيقة هذا سبب للمرض، قد يمرض وقد لا يمرض؛ لأن السبب قد يتخلف لوجود مانع يقاومه.
على كل حال هذا مسلك ابن الصلاح وفيه إثبات العدوى، فيه إثبات العدوى، لكن المنفي كون المرض يسري بنفسه، من غير كون الله -سبحانه وتعالى- هو الذي ينقله من مريض إلى آخر.
الثاني: أن نفي العدوى باق على عمومه، يعني مخالطة المريض من قبل الصحيح لا أثر لها البتة، يعني تخالط صحيح أو مريض تعاشر صحيح أو مريض لا أثر له البتة...